كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)
يعود زوج الدولار الأمريكي مقابل الين الياباني USD/JPY إلى منطقة شديدة الحساسية مع اقترابه مجددًا من مستوى 160 ينًا للدولار، في وقت يبدو فيه أن السوق يقف أمام صراع واضح بين قوة الدولار المدعومة بفارق أسعار الفائدة، وبين محاولات اليابان كبح ضعف عملتها. ومن وجهة نظري، فإن الاقتراب المتجدد من مستوى 160 لا يمثل مجرد حركة سعرية عابرة، بل يعكس استمرار اختلال جوهري في العوامل الأساسية التي تحكم الزوج، رغم أن المخاطر المرتبطة بالتدخل الياباني أصبحت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. وقد عاد الزوج للتداول قرب 159، بعد أن كانت السلطات اليابانية والأمريكية قد تدخلت سابقًا لدعم الين، الأمر الذي يوضح أن التدخل وحده لم يكن كافيًا لتغيير الاتجاه الأساسي للسوق.
وأرى أن العامل الأهم في تفسير استمرار ضعف الين هو أن فجوة العائد بين الولايات المتحدة واليابان لا تزال واسعة، حتى مع التحول التدريجي في سياسة بنك اليابان نحو مزيد من التشديد النقدي. فبنك اليابان رفع سعر الفائدة إلى 1% في يونيو، وتشير أحدث استطلاعات الاقتصاديين إلى تزايد التوقعات برفعه إلى 1.25% في سبتمبر، بينما لا تزال مستويات الفائدة الأمريكية أعلى بكثير. وهذا يعني أن رفعًا إضافيًا للفائدة اليابانية قد يدعم الين على المدى المتوسط، لكنه لن يكون بالضرورة كافيًا وحده لعكس اتجاه USD/JPY بصورة مستدامة، خصوصًا إذا بقيت العوائد الأمريكية مرتفعة.
وفي تقديري، فإن التطور الأكثر أهمية بالنسبة للين هو أن الضغوط التضخمية اليابانية بدأت تمنح بنك اليابان مبررًا أقوى لمواصلة التطبيع النقدي. فقد ارتفع التضخم الأساسي في اليابان إلى 1.8% في يوليو، مقارنة بـ1.6% في يونيو، بينما ارتفع مؤشر التضخم الأساسي باستثناء الغذاء والطاقة إلى 1.9%. ورغم أن التضخم الأساسي ظل دون هدف بنك اليابان البالغ 2% للشهر السابع على التوالي، فإن استمرار ارتفاع تكاليف الاستيراد والأسعار بالجملة يشير إلى أن الضغوط السعرية لم تختفِ. لذلك أعتقد أن اجتماع سبتمبر سيكون نقطة محورية، ليس فقط بسبب احتمال رفع الفائدة، وإنما بسبب لهجة البنك بشأن المسار الذي قد يتبعه بعد ذلك.
لكنني لا أعتقد أن ارتفاع توقعات رفع الفائدة اليابانية يعني تلقائيًا بداية موجة صعود قوية للين. فالأسواق أصبحت أكثر حساسية للسياسة المالية اليابانية، ومستويات الدين المرتفعة، وتداعيات ضعف العملة على التضخم وتكاليف الاستيراد. كما أن التدخل الأخير في سوق الصرف أظهر أن السلطات مستعدة للتحرك عندما ترى أن انخفاض الين أصبح سريعًا أو مضرًا بالاستقرار الاقتصادي، إلا أن التجربة الأخيرة توضح أيضًا أن التدخل يستطيع تغيير سرعة الحركة أكثر مما يستطيع تغيير الاتجاه الأساسي إذا ظلت فروق العائد داعمة للدولار. ولهذا أرى أن منطقة 160 ستظل سقفًا نفسيًا وسياسيًا بقدر ما هي مستوى سعري مهم.
وفي الجانب الأمريكي، أرى أن الصورة أصبحت أكثر تعقيدًا. فالدولار لم يعد يحصل على دعم مطلق من فروق الفائدة كما كان في السابق، خصوصًا مع تحول النقاش داخل السوق نحو المسار المستقبلي للسياسة النقدية الأمريكية. ولهذا ستكون بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي PCE، وهي من أهم مقاييس التضخم التي يراقبها الاحتياطي الفيدرالي، وخطاب رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش في جاكسون هول، من أهم المحفزات القادرة على إعادة تسعير الدولار بسرعة. فإذا جاءت بيانات التضخم أكثر سخونة أو أظهر وارش تشددًا واضحًا تجاه التضخم، فقد يحصل الدولار على دفعة جديدة تدفع USD/JPY لاختبار 160 بقوة. أما إذا ظهرت إشارات أكثر ميلًا إلى التيسير النقدي، فقد تتراجع جاذبية الدولار ويتسع المجال أمام الين للتعافي.
ومن وجهة نظري، فإن خطاب وارش سيكون أهم من مجرد قراءة واحدة لبيانات التضخم، لأن السوق يبحث حاليًا عن اتجاه السياسة النقدية وليس عن رقم اقتصادي منفرد. أي إشارة إلى أن الاحتياطي الفيدرالي مستعد للحفاظ على سياسة نقدية متشددة لفترة أطول ستعيد إحياء تداولات الدولار، بينما قد تؤدي لهجة أكثر مرونة إلى تقليص فروق العائد بين الولايات المتحدة واليابان، وهو السيناريو الذي سيكون أكثر إيجابية للين. لذلك أعتقد أن حركة USD/JPY خلال الأيام المقبلة قد تكون شديدة الحساسية لأي تغير في توقعات الفائدة الأمريكية، حتى لو بقيت البيانات الاقتصادية نفسها ضمن نطاق مقبول.
وبالنظر إلى الصورة الأكبر، أرى أن صعود الزوج نحو 160 ما زال السيناريو الأقرب على المدى القصير ما لم يتغير أحد المحركات الأساسية الرئيسية. قوة الاقتصاد الأمريكي النسبية، وفارق العوائد، واستمرار الطلب على الدولار، كلها عوامل تجعلني أميل إلى استمرار اختبار المستويات المرتفعة. لكنني في الوقت نفسه لا أرى أن اختراق 160 سيكون سهلًا أو مستدامًا بالضرورة، لأن كل ارتفاع سريع بات يرفع احتمال تدخل السلطات اليابانية أو صدور تصريحات أكثر حدة من المسؤولين اليابانيين. ولذلك فإن الوصول إلى 160 قد يكون بداية مرحلة أكثر تقلبًا بدلًا من أن يكون مجرد محطة جديدة في الاتجاه الصاعد.
أما على المدى المتوسط، فأعتقد أن ميزان المخاطر بدأ يتحول تدريجيًا لمصلحة الين مقارنة بما كان عليه قبل عدة أشهر. السبب الرئيسي هو اجتماع ثلاثة عوامل: توقعات رفع بنك اليابان للفائدة، ارتفاع التضخم الياباني، واحتمال تضييق فجوة السياسة النقدية بين الولايات المتحدة واليابان. وإذا تزامن ذلك مع بداية تحول أكثر وضوحًا نحو سياسة أمريكية أقل تشددًا، فقد يصبح من الصعب على الدولار الحفاظ على مكاسبه فوق منطقة 160. وفي المقابل، إذا بقي التضخم الأمريكي مرتفعًا وتمسك الاحتياطي الفيدرالي بسياسة متشددة، فقد يظل الدولار قادرًا على الاحتفاظ بتفوقه لفترة أطول.
وبناءً على هذه المعطيات، فإن رؤيتي الأساسية هي أن USD/JPY لا يزال يمتلك فرصة لإعادة اختبار 160، وربما تسجيل اختراق مؤقت إذا جاءت البيانات الأمريكية داعمة للدولار، لكنني لا أتعامل مع هذا المستوى باعتباره بوابة مفتوحة لموجة صعود غير محدودة. بل أراه منطقة اختبار حقيقية ستحدد ما إذا كان السوق قادرًا على تجاوز المخاوف اليابانية أم أن التدخل والسياسة النقدية سيبدآن في فرض واقع جديد. لذلك سيكون سلوك الزوج حول 160، إلى جانب تصريحات بنك اليابان والاحتياطي الفيدرالي، أكثر أهمية بالنسبة لي من مجرد الحركة اليومية للسعر.
وفي الخلاصة، أرى أن المعركة الحقيقية في USD/JPY لم تعد بين الدولار والين فقط، وإنما بين مسارين للسياسة النقدية: بنك اليابان الذي يحاول الخروج تدريجيًا من سنوات الفائدة المنخفضة، والاحتياطي الفيدرالي الذي يحاول الموازنة بين التضخم والنمو. وعلى المدى القصير أميل إلى استمرار الضغط الصعودي واختبار 160، لكنني أصبح أكثر حذرًا من استمرار الاتجاه بعد هذا المستوى.
وإذا بدأ بنك اليابان برفع الفائدة بوتيرة أسرع بالتزامن مع تراجع توقعات الفائدة الأمريكية، فقد يتحول الين من الطرف الأضعف إلى أحد أكبر المستفيدين في سوق العملات خلال الأشهر المقبلة. أما استمرار فروق العائد الحالية، فسيدفعني إلى الإبقاء على نظرة إيجابية للدولار مقابل الين، مع اعتبار منطقة 160 نقطة فاصلة في تحديد الاتجاه التالي للزوج.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية