كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)
يدخل البيتكوين مرحلة مفصلية تتزايد فيها حساسية تحركاته تجاه المتغيرات الاقتصادية الكلية، بعدما نجح في الحفاظ على تماسكه بالقرب من مستوى 80 ألف دولار، رغم تعرضه لضغوط بيعية واضحة عند مستويات أعلى. ومن وجهة نظري، فإن الصورة الحالية لا تعكس ضعفًا جوهريًا في الطلب على العملة المشفرة بقدر ما تعكس صراعًا بين قوة شرائية مؤسسية لا تزال حاضرة بقوة، وبين مقاومة فنية ونفسية تحاول الحد من امتداد الموجة الصاعدة. ولذلك أرى أن السؤال الأهم في المرحلة الحالية لم يعد ما إذا كان البيتكوين قادرًا على البقاء فوق 80 ألف دولار، وإنما ما إذا كان يمتلك الزخم الكافي لتحويل هذه المنطقة من مرحلة تماسك إلى نقطة انطلاق نحو مستويات أعلى.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية أكبر عند النظر إلى تدفقات صناديق الاستثمار المتداولة المرتبطة بالعملات المشفرة، والتي سجلت نحو 1.24 مليار دولار خلال الأسبوع الماضي، مع تدفقات تقارب 986 مليون دولار إلى صناديق البيتكوين وحدها، في وقت تجاوزت فيه تدفقات صناديق الإيثيريوم 218 مليون دولار. وبرأيي، فإن استمرار التدفقات لأسبوع ثالث على التوالي فوق حاجز المليار دولار يمثل إشارة أساسية أكثر أهمية من بعض التحركات اليومية للسعر، لأنه يكشف أن الطلب المؤسسي لم يختفِ رغم ارتفاع مستويات الأسعار. وهذا يعني أن أي تراجع للبيتكوين في الوقت الحالي قد يُنظر إليه من جانب شريحة من المستثمرين باعتباره فرصة لإعادة بناء المراكز، وليس بالضرورة بداية دورة هبوطية جديدة.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الضغوط القادمة من الاقتصاد الأمريكي، خصوصًا مع استمرار حساسية الأسواق تجاه بيانات سوق العمل ومسار أسعار الفائدة. قوة بيانات التوظيف يمكن أن تعيد إحياء توقعات بقاء السياسة النقدية الأمريكية أكثر تشددًا لفترة أطول، وهو ما يدعم الدولار ويرفع عوائد السندات، ويخلق بيئة أقل راحة للأصول عالية المخاطر وفي مقدمتها العملات المشفرة. ومن وجهة نظري، فإن العامل النقدي سيظل أحد أهم محددات الاتجاه خلال الفترة المقبلة؛ فإذا بدأت الأسواق في تسعير خفض أكثر وضوحًا للفائدة، فإن انخفاض العوائد الحقيقية وتراجع جاذبية الدولار قد يوفران للبيتكوين مساحة أكبر للصعود، أما استمرار التشدد في توقعات الفائدة فقد يبقي الحركة داخل نطاق متذبذب ويؤخر الاختراق.
وعلى الرغم من ذلك، أرى أن البيتكوين أظهر قدرًا ملحوظًا من المرونة مقارنة بما كان يمكن توقعه في بيئة ترتفع فيها حساسية المستثمرين تجاه أسعار الفائدة. فاستمرار التداول بالقرب من 80 ألف دولار بعد تسجيل مكاسب أسبوعية تتجاوز 3.4% يعكس أن المشترين لا يزالون قادرين على الدفاع عن الاتجاه العام. كما أن بقاء السعر أعلى المتوسطات المتحركة الرئيسية لفترات 50 و100 و200 يوم يدعم، من منظور أساسي وفني متكامل، فكرة أن الاتجاه الأكبر لم يتحول إلى هابط. ولذلك أميل إلى اعتبار التراجعات الحالية عمليات جني أرباح وإعادة تموضع أكثر من كونها تحولًا هيكليًا في الاتجاه، ما لم نشهد لاحقًا تدهورًا واضحًا في التدفقات المؤسسية بالتزامن مع كسر مستويات الدعم الرئيسية.
ومن الناحية الأخرى، فإن مستوى 82,850 دولارًا يمثل في تقديري منطقة اختبار حقيقية لقوة المشترين، وليس مجرد مقاومة رقمية عابرة. ففشل السعر المتكرر في تجاوز هذه المنطقة يعكس وجود عروض بيع قوية من المستثمرين الذين يستغلون الارتفاعات لتخفيف مراكزهم، ولذلك فإن اختراقها يحتاج إلى محفز واضح، سواء جاء من تحسن شهية المخاطرة عالميًا أو تراجع توقعات التشدد النقدي الأمريكي أو استمرار التدفقات القوية إلى صناديق البيتكوين. وفي تقديري، فإن الإغلاق اليومي الواضح فوق هذه المنطقة سيكون إشارة مهمة على انتقال السوق من مرحلة التماسك إلى مرحلة محاولة اختبار المقاومة التالية قرب 85 ألف دولار.
وأعتقد أن تجاوز مستوى 85 ألف دولار سيكون أكثر أهمية من مجرد تسجيل قمة سعرية جديدة، لأنه سيغير طبيعة المعركة بين المشترين والبائعين. فإذا تمكن البيتكوين من اختراق هذا الحاجز والإغلاق فوقه مع استمرار ارتفاع أحجام التداول والتدفقات المؤسسية، فسأعتبر ذلك تأكيدًا على أن الطلب الحقيقي بدأ يتغلب على عمليات جني الأرباح، وهو ما قد يفتح الباب أمام امتداد الموجة الصاعدة إلى مستويات أعلى. أما الفشل المتكرر في اختراق هذه المنطقة، خصوصًا إذا تزامن مع تراجع التدفقات إلى صناديق الاستثمار المتداولة، فقد يدفع الأسعار إلى مرحلة تصحيح أعمق قبل استعادة الزخم.
وفي المقابل، لا أرى أن المخاطر على السيناريو الصاعد قد اختفت، بل إنني أعتقد أن السوق لا يزال معرضًا لتصحيح مفاجئ إذا تغيرت توقعات المستثمرين بشأن السياسة النقدية الأمريكية. وأضع منطقة 72,000–73,000 دولار تقريبًا كمنطقة دعم استراتيجية شديدة الأهمية، في ظل قرب المتوسطات المتحركة الرئيسية منها. ومن وجهة نظري، فإن الوصول إلى هذه المنطقة لن يعني تلقائيًا انتهاء الاتجاه الصاعد، بل قد يمثل اختبارًا حاسمًا لقدرة المشترين على الدفاع عن البنية الإيجابية للسوق. أما كسر هذه المنطقة بصورة واضحة واستمرار التداول دونها، فسوف يدفعني إلى إعادة تقييم السيناريو الصاعد ورفع احتمالات الدخول في تصحيح أوسع.
وعلى مستوى أعمق، أرى أن أحد أهم التحولات في سوق البيتكوين يتمثل في تزايد ارتباطه بتدفقات رأس المال المؤسسي. فالعملة لم تعد تتحرك فقط وفق المضاربات الفردية أو أخبار قطاع العملات الرقمية، وإنما أصبحت أكثر حساسية لتوزيعات المحافظ الاستثمارية العالمية ولشهية المؤسسات تجاه الأصول البديلة. استمرار تدفقات صناديق الاستثمار المتداولة يشير إلى أن هناك طلبًا منظمًا يمكنه امتصاص جزء من ضغوط البيع، وهذا في رأيي أحد أهم العوامل التي تمنح الاتجاه الصاعد قدرًا من الاستمرارية حتى في ظل وجود تقلبات قصيرة الأجل.
وبناءً على هذه المعطيات، فإن وجهة نظري الأساسية تميل إلى الإيجابية المشروطة وليست التفاؤل المطلق. أرى أن بقاء البيتكوين فوق منطقة 72–73 ألف دولار يحافظ على الهيكل الصاعد الأكبر، بينما يمثل اختراق 82,850 دولارًا ثم تجاوز 85 ألف دولار نقطة التحول التي يمكن أن تؤكد استئناف الزخم الصعودي. وفي السيناريو الإيجابي، أتوقع أن يؤدي اختراق المقاومة مصحوبًا باستمرار التدفقات المؤسسية إلى جذب موجة جديدة من المشترين، خصوصًا أولئك الذين ينتظرون تأكيدًا سعريًا قبل الدخول.
أما السيناريو الأكثر تحفظًا فيتمثل في استمرار التداول العرضي بين مناطق الدعم والمقاومة، مع تعرض السعر لموجات جني أرباح كلما اقترب من 83–85 ألف دولار. ولا أستبعد هذا السيناريو، بل أراه طبيعيًا بعد الصعود الأخير، خصوصًا إذا ظلت السياسة النقدية الأمريكية مصدرًا للقلق. لكنني أعتقد أن التماسك فوق مستويات الدعم سيكون في حد ذاته عاملًا إيجابيًا، لأنه يسمح للسوق بامتصاص ضغوط البيع وبناء قاعدة سعرية أكثر صلابة قبل أي محاولة اختراق جديدة.
في المحصلة، أرى أن البيتكوين يقف حاليًا أمام معادلة واضحة: قوة الطلب المؤسسي من جهة، ومقاومة الأسعار والضغوط النقدية من جهة أخرى. وحتى الآن، تبدو الكفة مائلة نسبيًا لصالح المشترين طالما استمرت التدفقات إلى صناديق الاستثمار المتداولة ولم يحدث تدهور حاد في البيئة الكلية. ولذلك أرجح أن تبقى النظرة الإيجابية قائمة، مع اعتبار 82,850 دولارًا أول اختبار فعلي، و85 ألف دولار منطقة الحسم بالنسبة للموجة القادمة. وبالنسبة لي، فإن اختراق هذه المنطقة لن يكون مجرد حركة سعرية، بل سيكون رسالة بأن البيتكوين نجح في تحويل الطلب المؤسسي المتزايد إلى قوة دفع قادرة على تجاوز جدار المقاومة وفتح الطريق أمام موجة صعود
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية