مداخلة جمعية المستهلك – لبنان إلى اجتماع لجنة الاقتصاد الوطني النيابية (9/9/2026)

منذ سنوات، ينزلق الإعلام اللبناني وبعض الجهات الرسمية نحو المطالبة بالرقابة على الأسعار ومعاقبة المخالفين كحل أساسي لمواجهة الغلاء والتضخم. غير أن هذا النموذج من المعالجات السطحية يتجاهل وقائع هيكلية جذرية؛ فالإقتصاد اللبناني يُصنّف نفسه اقتصاداً حراً، والتضخم وغلاء الأسعار ليسا سوى آفتين مزمنتين ترتبطان باحتكار الأسواق، وضعف الإنتاج المحلي، وتفاقم الهزات الأمنية والاعتداءات والاحتلال الإسرائيلي. لذا، كان من الطبيعي أن تفشل كل المعالجات الجزئية.

إن الاقتصاد الوطني مريض، وأمراضه تطال مختلف جوانب حياة اللبنانيين: انحدار مستوى المعيشة إلى ما دون خط الفقر، غياب العدالة الاجتماعية، تفشي الفساد، الاستنزاف بالهجرة والبطالة، التضخم المفرط، وعجز الدولة الهيكلي.

لقد كرّس النمط الاقتصادي الذي اعتمدته النخب السياسية الطائفية — ولا سيما منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1991 — إهمال القطاعات المنتجة، واعتمد على التجارة والخدمات والقطاع المصرفي كهدف شبه وحيد. هذا الخيار قضى على النجاحات الاقتصادية الهيكلية التي عرفها لبنان قبل عام 1975، حين كانت صادراته الزراعية والصناعية تغطي نحو 75% من حجم الاستيراد، قبل أن تهوي هذه النسبة بعد منتصف التسعينيات إلى ما دون 15%.

المنطق الاقتصادي السليم يحتم على هذه النخب مراجعة سياساتها، والانتقال نحو بناء “الاقتصاد الحقيقي” إلى جانب القطاعين المصرفي والتجاري؛ أي الاستثمار المباشر في قطاعات التكنولوجيا، الصناعة، والزراعة الحديثة ذات المردود العالي.


صحيحٌ أنه لا توجد عصا سحرية للتعافي الفوري، إلا أن البدء في الاستثمار الجدي في هذه القطاعات هو المنهج الذي اعتمدته كل الدول الصاعدة. وتجربة دول مثل فنلندا والنمسا تشكل نموذجاً مقارباً للبنان من حيث عدد السكان والكتلة البشرية الكفؤة — بل إن لبنان يتفوق بموقعه الجغرافي وبثروته الغازية الواعدة. بيد أن ما يفتقده لبنان هو الإدارة السياسية الرشيدة التي مكنت فنلندا والنمسا من رفع ناتجهما القومي إلى ما بين 13 و20 ضعف الناتج المحلي اللبنان

لقد عطل نظام المحاصصة الطائفية دوماً الإصلاحات الهيكلية التي حاولت نخب واعية إرساءها (التجربة الشهابية نموذجاً). واليوم، يبدو الوضع أكثر تعقيداً في ظل الانعدام شبه الكامل للثقة بالطبقة الحاكمة والنخب الاقتصادية، فضلاً عن الصراعات الإقليمية والعدوان والاحتلال الإسرائيلي اللذين يجعلانه تحدياً شاقاً، ولكنه ليس مستحيلاً. فالزلازل التي ضربت لبنان بنيوية بالدرجة الأولى، وتأسست على نظام المحاصصة.

السؤال الأهم اليوم: هل يمكن للنخب السياسية والاقتصادية، رغم كل هذه الوقائع، إعادة قدر من التوازن والاستقرار للاقتصاد الوطني؟

الجواب: نعم، بإمكانها ذلك، بشرط امتلاك الإرادة لمواجهة القوى والمصالح التي تعتاش على الريع المالي والأرباح التجارية غير المنظمة.

إن معالجة الفقر، والفساد، والهجرة، والتضخم ستظل مجرد مساحيق تجميلية بلا نتيجة، ما لم تتجه البلاد نحو إصلاحات سياسية واقتصادية جذرية تبدأ بالاستثمار المكثف في القطاعات الإنتاجية والتكنولوجيا. كذلك يمكننا بدء من اليوم اطلاق ورشة تعاون مشتركة بين لجنة الإقتصاد الوطني ووزارة الاقتصاد وجمعية المستهلك لإصدار المراسيم التنظيمية لعشرات القوانين اليتيمة التي اهملت عن سابق تصور وتصميم وأهمها قوانين حماية المستهلك وسلامة الغذاء والمنافسة وغيرها. كما واعتماد الكفاءات بدلا من المحصاصصة في الوظائف لتامين إطلاق هذه القوانين.
هذا المسار يتطلب التعاون ولو المتواضع بين قيادات سياسية واقتصادية تتمتع بأعلى درجات الكفاءة والشفافية؛ فالشعب اللبناني يستحق إدارة تُدير أزماته بمسؤولية وتضحية لنسلك طريق الشعوب التي نجحت في انتشال نفسها بدلا من تسول المسؤولين على عتبات الدول الخارجية.

جمعية المستهلك -لبنان

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الأب جوزف مكرزل رئيسًا للمؤتمر الإقليمي لرؤساء الجامعات الأعضاء في الوكالة الجامعية للفرنكوفونية في الشرق الأوسط

انتُخب رئيس جامعة الروح القدس- الكسليك الأب جوزف مكرزل، رئيسًا للمؤتمر الإقليمي لرؤساء الجامعات (C2R) ...

كركي: سلفات جديدة لمكاتب الصندوق في زغرتا وحلبا وبيت الدين لدفع معاملات المضمونين المنجزة

في إطار حرص إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على تأمين استمراريّة الخدمات للمضمونين، ولا سيّما ...

يسر النويري: لماذا لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحلّ مكان الـCloser؟

مع الانتشار المتزايد للبرامج التدريبية والاستشارات والكورسات الإلكترونية، برزت مهنة الـ High-Ticket Closer كعنصر أساسي ...