د. فيولا مخزوم
لم يعد الجدل حول الذكاء الاصطناعي يتمحور حول ما إذا كانت هذه التكنولوجيا ستغير العالم، بل حول سرعة التغيير وما إذا كانت قدرة المؤسسات والمجتمعات على استيعابه تواكب سرعة تطور النماذج نفسها. فالتقدم لم يعد يقتصر على تحسين قدرة الأنظمة على الإجابة أو توليد المحتوى، وإنما امتد إلى البرمجة، والاستدلال، والتخطيط، وتنفيذ سلاسل من المهام بصورة أكثر استقلالية. وفي المقابل، لا تزال تقنيات السلامة والتقييم والحوكمة تواجه صعوبة في مواكبة هذه الوتيرة. ويؤكد تقرير السلامة الدولي للذكاء الاصطناعي لعام 2026 أن قدرات الأنظمة العامة تتقدم بسرعة، في حين لا تزال أساليب إدارة بعض المخاطر محدودة أو غير مكتملة.
بيل غيتس يقدم نموذجًا لافتًا لهذا التحول في الموقف من الذكاء الاصطناعي. ففي حديثه إلى «رويترز» في سبتمبر 2026، قال إن الحكومات حول العالم متأخرة كثيرًا في الاستعداد للتغيرات التي ستحدثها التكنولوجيا، محذرًا من آثارها المحتملة على الوظائف، والهجمات، والإدمان على رفاق الذكاء الاصطناعي. لكن موقفه لا يمثل رفضًا للتكنولوجيا؛ بل يحمل قدرًا واضحًا من الازدواجية بين الفرصة والمخاطر. فهو يرى إمكانات هائلة للذكاء الاصطناعي في الصحة والتعليم والزراعة، ويعتقد أن التكنولوجيا يمكن أن تساعد في تقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء إذا أُديرت بصورة مسؤولة وأتيح الوصول إليها بعدالة. لذلك، فإن جوهر تحذيره ليس إيقاف التطور، وإنما منع أن تصبح سرعة التطور أسرع من قدرة الحكومات على وضع السياسات المناسبة له.
جيفري هينتون يكتسب موقفه أهمية خاصة لأنه صادر عن أحد العلماء الذين أسهموا في بناء الأسس العلمية للتعلم العميق الذي قامت عليه الطفرة الحديثة في الذكاء الاصطناعي. ولذلك فإن تحذيراته لا تأتي من خارج المجال، وإنما من أحد أبرز المشاركين في تطويره. وتتركز مخاوفه بصورة خاصة حول احتمال أن تصبح الأنظمة أكثر قدرة على التعلم والتخطيط من قدرة البشر على فهم آليات اتخاذها للقرار. وهنا تنتقل القضية من أخطاء النموذج التقليدية إلى مسألة أعمق تتعلق بحدود السيطرة البشرية عندما تصبح الأنظمة أكثر استقلالية وتعقيدًا.
أما يوشوا بنجيو، فيمثل اتجاهًا أكثر ارتباطًا بالبحث العلمي المنظم في مجال السلامة. فهو يقود تقرير السلامة الدولي للذكاء الاصطناعي لعام 2026، الذي شارك في إعداده أكثر من 100 خبير مستقل، وبإشراف لجنة استشارية تضم خبراء رشحتهم أكثر من 30 دولة ومنظمة دولية. وتكمن أهمية التقرير في أنه لا يتعامل مع جميع المخاطر باعتبارها مؤكدة؛ بل يميز بين أضرار أصبحت موثقة بالفعل، مثل بعض أشكال الاحتيال والهجمات السيبرانية والمعلومات المضللة، وبين مخاطر مستقبلية أكثر عدمًا لليقين لكنها قد تكون شديدة التأثير. كما يشير إلى استمرار مشكلات الموثوقية، بما فيها اختلاق المعلومات والأخطاء البرمجية، وإلى أن زيادة استقلالية الأنظمة الوكيلة قد تجعل اكتشاف الأخطاء والتدخل البشري أكثر صعوبة.
ومن زاوية مختلفة، يركز ستيوارت راسل على مسألة المواءمة بين أهداف الأنظمة والقيم والمصالح الإنسانية. فالمشكلة، وفق هذا المنظور، ليست في أن تصبح الآلة أكثر ذكاءً فحسب، وإنما في أن تمتلك قدرة متزايدة على تنفيذ أهداف لا تتطابق بالضرورة مع ما قصده الإنسان أو ما يريده المجتمع. وتزداد أهمية هذه المسألة مع صعود الأنظمة الوكيلة التي تستطيع تقسيم المهام، واستخدام الأدوات، واتخاذ قرارات متتابعة دون تدخل بشري مستمر. ولذلك تصبح السلامة مسألة تصميم وحوكمة، وليست مجرد عملية إصلاح للأخطاء بعد إطلاق النظام.
ومن داخل صناعة الذكاء الاصطناعي نفسها، جاء داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لـAnthropic، بموقف أكثر مباشرة. ففي مقاله «We Must Pace the Frontier» المنشور في سبتمبر 2026، دعا إلى إبطاء وتيرة تحسين قدرات النماذج المتقدمة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن «التباطؤ» لا يعني وقف التطور أو التدريب. ويقترح بدلًا من ذلك إتاحة وقت كافٍ لكي تواكب إجراءات السلامة سرعة نمو القدرات، بما في ذلك وجود مقيمين مستقلين داخل شركات الذكاء الاصطناعي، ووضع معايير مشتركة للسلامة، ثم تطوير قدر من التنسيق الدولي. ويستند أمودي في جزء من حجته إلى التطور المتسارع لما يسمى التحسين الذاتي التكراري، وإلى حادثة حديثة تتعلق بسلوك جماعي غير منضبط لوكلاء ذكاء اصطناعي في مجال الأمن السيبراني.
ويكتسب هذا الطرح أهمية إضافية لأن أمودي لا يقدم التكنولوجيا بوصفها خطرًا يجب التخلص منه؛ بل يؤكد في المقال نفسه إيمانه بقدرتها على تحسين حياة البشر وتسريع التقدم في مجالات مثل الطب. موقفه يقوم على فكرة أكثر دقة: عدم بناء التكنولوجيا قد يحرم البشرية من فوائدها، لكن بناءها بسرعة أكبر من قدرتنا على تأمينها قد يخلق مخاطر لا نملك أدوات كافية للتعامل معها. ولهذا يدعو إلى ما يسميه «سباقًا نحو القمة» في السلامة بدل سباق تنافسي نحو زيادة القدرات فقط.
أما سام ألتمان وإيلون ماسك، فتظهر مواقفهما ضمن النقاش الأوسع حول مخاطر الأنظمة المتقدمة والحاجة إلى تعزيز آليات السلامة والتقييم. وقد حظيت دعوة أمودي إلى «تيرة أكثر أمانًا» بدعم عدد من الشخصيات البارزة في القطاع، بينما ظل النقاش الأوسع منقسمًا بين من يرى أن إبطاء التطور ضروري لمنح السلامة وقتًا للحاق بالقدرات، ومن يخشى أن يؤدي التباطؤ في بعض الدول إلى فقدان موقع تنافسي أمام دول أخرى. وهذا البعد الجيوسياسي مهم؛ لأن الذكاء الاصطناعي لم يعد قضية تقنية فقط، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بالاقتصاد والأمن والتنافس الدولي.
غير أن التركيز على المخاطر المستقبلية لا ينبغي أن يحجب المشكلات الموجودة بالفعل. فالتقرير الدولي للسلامة يلفت إلى أن الأنظمة الحالية لا تزال قادرة على إنتاج معلومات خاطئة، وكتابة شيفرات معيبة، وتقديم مخرجات مضللة، بينما يمكن للأنظمة الأكثر استقلالية أن تضخم أثر هذه الأخطاء لأنها قادرة على تنفيذ عدد أكبر من الإجراءات قبل أن يتدخل الإنسان. وفي سوق العمل، لا يتعلق التحدي فقط باختفاء بعض الوظائف، وإنما بإعادة توزيع المهام داخل الوظائف نفسها، وبالحاجة إلى مهارات جديدة وإلى إعادة تأهيل العاملين. وهذا يفرض على التعليم أن يتحرك من رد الفعل إلى الاستعداد المسبق.
ومن هنا يصبح التعليم أحد أهم ميادين الاستجابة للذكاء الاصطناعي. فالمطلوب لم يعد مجرد تعليم الطلبة كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بل تطوير ما يمكن تسميته «المواطنة النقدية للذكاء الاصطناعي»: القدرة على التحقق من المخرجات، واكتشاف الهلوسة والتحيز، وفهم حدود النماذج، وحماية الخصوصية، وتقييم مصادر المعلومات، واتخاذ القرار بصورة مستقلة. وفي هذا التحول، لا يفقد المعلم أهميته؛ بل تتغير وظيفته من ناقل للمعلومة إلى مصمم للتعلم، ومرشد للتفكير النقدي، ومقوم لقدرة الطالب على استخدام التكنولوجيا دون أن يصبح تابعًا لها.
لذلك، فإن القضية الأساسية ليست اختيار أحد طرفي المعادلة: التسريع أو الإيقاف. المطلوب هو بناء قدرة مؤسسية تجعل الابتكار مترافقًا مع الاختبار والتقييم والشفافية والمساءلة. فالذكاء الاصطناعي سيواصل التطور، لكن نجاح المجتمعات لن يقاس فقط بامتلاكها أكثر النماذج قدرة، وإنما بقدرتها على ضمان أن هذه القدرات تخدم الإنسان ولا تتجاوز آليات الرقابة التي يفترض أن تحميه.
إن المرحلة المقبلة تتطلب شراكة حقيقية بين الباحثين وشركات التكنولوجيا والحكومات والجامعات والمؤسسات التعليمية. كما تتطلب أن تصبح السلامة جزءًا من دورة تطوير الذكاء الاصطناعي منذ البداية، لا إجراءً لاحقًا بعد ظهور المشكلات. وكلما ازدادت قدرة الآلة على إنتاج المعرفة واتخاذ الإجراءات وتنفيذ المهام، ازدادت الحاجة إلى إنسان أكثر وعيًا بحدودها، وأكثر قدرة على مساءلتها، وأكثر استعدادًا لتحمل مسؤولية القرار النهائي.
فالرهان الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي ليس أن نمنع الآلة من أن تصبح أكثر قدرة، وإنما أن نضمن أن تتقدم الحكمة البشرية والحوكمة والتعليم بالسرعة الكافية لمواكبة تلك القدرة.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية