عِيدٌ بِأَيَّةِ حَالٍ عُدْتَ يَا عِيدُ… بِمَا مَضَى أَمْ لِأَمْرٍ فِيكَ تَجْدِيدُ

بقلم د. خالد عيتاني
رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية

أعتذر اليوم من قرّائي الأعزّاء.
في هذا المقال لن أتحدّث عن الذكاء الاصطناعي، ولا عن النمو الاقتصادي، ولا عن فرص الاستثمار، ولا عن مستقبل التعليم. سأتحدّث عن شيءٍ أبسط… وأخطر بكثير: الغباء البشري حين يُدار كسياسة، ويُترجم إلى حروب، ويُدفع ثمنه اقتصادًا ودماءً وأجيالًا.

ليس لأن العالم يفتقر إلى المعرفة، بل لأنه—على نحوٍ مقلق—يفتقر إلى الحكمة.
نحن نعيش في زمنٍ يستطيع فيه الإنسان أن يبني نماذج تتعلّم، وأن يطوّر عقولًا صناعية تقرأ ملامح المستقبل، وأن يحاكي الغد قبل أن يولد… ثم، في لحظة القرار، يتصرّف كما لو أنه لم يتعلّم شيئًا من الماضي. كأن كل الحروب التي عبرت هذا الكوكب كانت مجرد ضجيجٍ عابر، لا ذاكرة له ولا أثر.

في قلب هذا التناقض الصارخ، تقف الحرب الأميركية – الإسرائيلية – الإيرانية بوصفها مرآةً قاسية لوعينا الجماعي. مرآة لا تعكس فقط صراع القوى، بل تكشف هشاشة العقل الذي يديرها. فالعالم الذي يملك القدرة على قياس المخاطر، وتحليل السيناريوهات، وبناء نماذج احتمالية دقيقة، لا يزال يختار—بإرادة واعية—أن يسلك الطريق الأكثر كلفة، والأشدّ تدميرًا، والأقلّ قابلية للإصلاح.

كيف يمكن لعالمٍ هذا شأنه أن يقنع نفسه بأنه يتقدّم؟

لقد تعلّمنا—أو ظننا أننا تعلّمنا—أن الحروب لا تُربَح، بل تُدار كخسائر متفاوتة. تعلّمنا أن كل صاروخٍ يُطلق، يترك خلفه اقتصادًا مثقوبًا، ومجتمعًا منهكًا، وأجيالًا تحمل في ذاكرتها ما لا يُقاس بالأرقام. ومع ذلك، نعود في كل مرة إلى النقطة نفسها: نعيد إنتاج الخطأ ذاته، لكن بأدواتٍ أكثر تطورًا، وبسرعةٍ أعلى، وبأثرٍ أعمق.

هنا تكمن المأساة الحقيقية: أن التقدّم التكنولوجي لم يُواكبه نضجٌ سياسي ولا ارتقاءٌ أخلاقي.
لقد أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على قراءة الأنماط المعقّدة، بينما يعجز الذكاء السياسي عن قراءة أبسط دروس التاريخ. فالتكنولوجيا، مهما بلغت من دقة، لا تُصلح خللًا في الإرادة، ولا تُعوّض غيابًا في البصيرة. هي تُضخِّم ما نملكه أصلًا: فإن كنا حكماء، زادت حكمتنا أثرًا؛ وإن كنا متهوّرين، زادت تهوّرنا سرعةً واتساعًا.

ولأن الاقتصاد هو اللغة الصامتة التي تفضح كل الحروب، فإن أول ما يتكشّف في مثل هذه الصراعات ليس خطاب النصر، بل كلفة الاستمرار. فجأة، تتحوّل مفاهيم النمو إلى حسابات نجاة، وتُستبدل لغة الاستثمار بلغة التأمين، ويُعاد ترتيب أولويات الدول حول سؤالٍ واحد: كيف نحتمل الصدمة؟
الأسواق لا تجامل أحدًا؛ هي تقرأ الحقيقة كما هي: اضطراب في الطاقة، تضخّم يتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية، سلاسل إمداد تتشقق، وثقة تتآكل بصمت. وما يبدو قرارًا استراتيجيًا في غرف السياسة، يظهر في حياة الناس كارتفاعٍ في ثمن الخبز، وكلفة النقل، وفاتورة الكهرباء.

وهنا تتكشّف طبقة أخرى من الغباء البشري:
أن الحروب التي تُخاض باسم القوة، تُموَّل في الواقع من ضعف الآخرين.
أن فاتورة الصراع لا يدفعها من يقرّر، بل من لا يملك إلا أن يتكيّف.
أن كل ارتفاعٍ في أسعار الطاقة هو اقتطاعٌ صامت من قدرة ملايين البشر على العيش الكريم.

أما الاستثمار—ذلك الكائن الحساس الذي يعيش على التوقّع—فلا يجد في الحروب بيئةً بطولية، بل بيئةً طاردة. رأس المال لا يهرب من الخطر لأنه جبان، بل لأنه عقلاني. فهو يدرك أن الضبابية ليست فرصة، وأن المخاطر غير المحسوبة ليست مغامرة، بل مقامرة. وهكذا، في اللحظة التي تحتاج فيها الاقتصادات إلى تدفّق الاستثمارات، تجد نفسها في مواجهة نزيفٍ صامت: تتراجع المشاريع، تتأجل الخطط، وتُستبدل الرؤية طويلة الأمد بحسابات قصيرة تتعلق بالبقاء.

لكن، إذا كان الاقتصاد هو الجسد الذي يتألم، فإن التعليم هو الروح التي تُجرَح.
الحروب لا تدمّر المدارس فقط؛ بل تدمّر الإيقاع الداخلي للمجتمع. تقطع استمرارية التعلم، تزرع القلق في عقول الأطفال، وتحوّل المعرفة من حقٍّ طبيعي إلى امتيازٍ هش. كل يومٍ دراسي يُفقَد، ليس مجرد صفحةٍ تُمحى، بل طبقة من الوعي لا تُبنى.

والأخطر من ذلك أن الحروب الطويلة لا تقتل الحاضر فقط، بل تعيد تشكيل المستقبل على صورة الخسارة. حين تُعاد صياغة الموازنات حول الأمن والطوارئ والدين العام، يصبح التعليم أول ما يُؤجَّل، وأول ما يُختصر، وأول ما يُضحّى به بصمت. وهنا لا نكون أمام أزمة عابرة، بل أمام قرار غير معلن بإضعاف الأجيال القادمة.

أمام كل ذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا تقع الحروب؟
بل: لماذا لا نتعلّم؟

لقد مرّ العالم بتجارب كافية ليُدرك أن القوة لا تُقاس بما يمكن تدميره، بل بما يمكن الحفاظ عليه. أن الاستقرار ليس حالةً تُفرض بالقوة، بل توازنٌ يُبنى بالعقل. وأن أعظم إنجازٍ للبشرية لم يكن في قدرتها على خوض الحروب، بل في قدرتها—النادرة—على تجنّبها.

ومع ذلك، نقف اليوم أمام مشهدٍ يتكرّر، كأن التاريخ لا يُقرأ، بل يُعاد تمثيله.
كأن البشرية، بكل ما حققته، لا تزال تتعثر في الامتحان ذاته: امتحان استخدام القوة دون أن تُدمِّر نفسها.

ربما لم يعد السؤال: هل سنتعلّم؟
بل: كم مرة علينا أن نُخطئ قبل أن نصبح قادرين على التعلّم فعلًا؟

ورغم كل هذا الثقل، ورغم هذا المشهد الذي يختلط فيه العقل بالتهوّر، والعلم بالدمار، لا يزال في هذا العالم ما يستحق أن نتمسّك به:
قدرة الإنسان—حين يختار—أن يكون أسمى من أخطائه.

العيد لا يأتي ليُذكّرنا بما مضى فقط، بل بما يمكن أن نكون عليه.
يأتي ليعيد ترتيب المعنى داخلنا، ليقول إن بعد كل هذا الضجيج، لا يزال هناك مكان للصمت الذي نُصغي فيه إلى ضمائرنا، وإلى الدروس التي تأخّرنا كثيرًا في فهمها.

فلعلّ أعظم ما يمكن أن نتعلّمه من كل هذه الحروب، ليس كيف نُديرها… بل كيف نمنعها.
ولعلّ أعظم انتصار لا يُقاس بالأرض ولا بالقوة، بل بقدرتنا على حماية الإنسان من نفسه.

في هذا العيد، لا أملك إلا أن أتمنّى أن يكون مختلفًا…
عيدًا يُعيد للعقل توازنه، وللقلب إنسانيته، وللعالم بعضًا من رشده الذي افتقده طويلًا.

كل عام وأنتم بخير،
تقبّل الله منكم الصيام والقيام وصالح الأعمال،
وجعل هذا العيد بداية وعيٍ جديد… لا نُعيد فيه أخطاءنا، بل نتجاوزها.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بيان مشترك لبحصلي وفهد ينفي تقنين توزيع المواد الغذائية ويؤكد وفرة المخزون

خلافًا لما تتداوله بعض وسائل الإعلام عن إقدام بعض التجّار وأصحاب مستودعات المواد الغذائية على ...

اجتماع في محافظة بيروت يعرض مشروع “قروض ترميم” لذوي الإعاقة

عُقد في محافظة بيروت اجتماع ضمّ محافظ بيروت القاضي مروان عبود، رئيس مجلس الإدارة المدير ...

1,6 مليار دولار خلال 72 ساعة: مشروع “مانشستر سيتي ياس ريزيدنسز” من أوهانا للتطوير العقاري يسجل رقماً قياسياً جديداً للمبيعات في أبوظبي

· 35% من المستثمرين مواطنون إماراتيون و65% من المقيمين والمستثمرين الدوليين · الإقبال يعكس الطلب ...