كفايات المعلم والمتعلم في عصر الذكاء الاصطناعي: من التحول الرقمي إلى إعادة بناء التعليم في لبنان

بقلم د. خالد عيتاني رئيس لجنة الطوارىء الإقتصادية.

مقدمة علمية: من ثورة الأدوات إلى تحوّل البُنى المعرفية

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية تُضاف إلى العملية التعليمية، بل أصبح بنية معرفية جديدة تعيد تشكيل مفهوم التعلم ذاته. تشير أدبيات UNESCO إلى أن التحول الراهن لا يقتصر على رقمنة التعليم، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة؛ حيث لم يعد الوصول إلى المعلومات هو التحدي، بل

القدرة على تحليلها، نقدها، وإعادة إنتاجها ضمن سياقات ذات معنى.

وفي تقارير OECD الحديثة (2026)، يُطرح التعليم كمنظومة يجب أن تنتقل من نموذج “نقل المعرفة” إلى نموذج “إنتاج المعرفة”، حيث يصبح المتعلم شريكًا في بناء المحتوى، والمعلم موجّهًا استراتيجيًا لهذا البناء.

ضمن هذا التحول، تبرز الحاجة إلى إعادة صياغة كفايات المعلم والمتعلم، ليس فقط لمواكبة الذكاء الاصطناعي، بل لإعادة توجيه مساره بما يخدم الإنسان والمجتمع. وهنا تحديدًا تتجلى الإشكالية في لبنان: هل نحن أمام تحدٍ تقني، أم أمام تحول بنيوي في فلسفة التعليم نفسها؟

أولًا: كفايات المعلم – من التدريس إلى قيادة التعلم

لم يعد المعلم ناقلًا للمعرفة، بل أصبح مهندسًا للتجربة التعليمية وقائدًا لعمليات التفكير داخل الصف.

1. الكفايات الإدراكية

فهم طبيعة الذكاء الاصطناعي، وآليات عمله، وحدوده، بما في ذلك الانحيازات والأخطاء المحتملة.

 المعلم هنا لا يقدّم الإجابة، بل يعلّم كيف تُفحَص الإجابة.

2. الكفايات التربوية

تصميم مواقف تعلم قائمة على الاستكشاف، وتحويل الصف إلى بيئة تحليل ونقاش.

 يصبح السؤال أهم من الجواب.

3. الكفايات الأخلاقية

تعزيز الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، وترسيخ الوعي بالخصوصية والعدالة الرقمية.

 التعليم هنا ليس تقنيًا فقط، بل قيميًا أيضًا.

4. الكفايات الإنتاجية

توظيف الذكاء الاصطناعي في:

  • إعداد المحتوى
  • بناء بنوك الأسئلة
  • تحليل أداء الطلاب

 يتحول المعلم من مستهلك وقت إلى مدير تعلم ذكي.

ثانيًا: كفايات المتعلم – من الحفظ إلى التفكير المركّب

لم يعد المتعلم يُقاس بكمية ما يحفظه، بل بقدرته على تحويل المعرفة إلى أداة للفهم والعمل.

1. التفكير النقدي

تحليل المخرجات الرقمية، والتحقق من دقتها.

2. مهارة السؤال (Prompt Literacy)

إتقان صياغة الأسئلة والتفاعل الذكي مع أنظمة

الذكاء الاصطناعي.

3. التعلم الذاتي

بناء مسارات تعلم مستقلة باستخدام الأدوات الذكية.

4. الذكاء الرقمي

فهم البيئة الرقمية والتعامل معها بوعي ومسؤولية.

ثالثًا: التعبير الشفوي كأداة تقويم أصيلة في عصر الذكاء الاصطناعي

في ظل الانتشار الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي، برز تحدٍ جوهري يتمثل في التحقق من أصالة تعلم الطالب، والتمييز بين ما أنتجه بنفسه وما استعان فيه بالآلة. وهنا تعود إحدى أقدم أدوات التعليم – التعبير الشفوي – لتتبوأ موقعًا متقدمًا كوسيلة تقويمية دقيقة وفعّالة.

لم يعد التقييم محصورًا في المنتج النهائي، بل

أصبح يتمحور حول قدرة المتعلم على تفسير ما قدّم، والدفاع عنه، وتوسيعه شفويًا. فالتعبير الشفوي يكشف عمق الفهم، ويُظهر مستوى الاستيعاب الحقيقي، ويتيح للمعلم تتبع العمليات الذهنية التي مرّ بها الطالب أثناء التعلم.

إن الطالب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي بوعي، يستطيع أن يشرح، ويحلل، ويعيد بناء المعرفة بلغته الخاصة؛ بينما يكشف التفاعل الشفهي السريع محدودية الفهم لدى من يعتمد اعتمادًا سطحيًا على الأدوات.

وتشير توجهات UNESCO إلى أهمية إعادة التوازن بين التقييم الكتابي والشفهي، لضمان نزاهة التعلم وجودته.

تطبيق عملي:

  • إنجاز المهمة باستخدام AI
  • عرض شفهي مختصر
  • نقاش تحليلي يقوده المعلم

 هنا يتحول التقييم من قياس الناتج إلى كشف

الفهم.

رابعًا: من النظرية إلى التطبيق – دروس من التجارب الخليجية

تُظهر التجارب في:

  • الإمارات
  • السعودية
  • قطر

أن التحول الحقيقي لا يبدأ بالأدوات، بل بالسياسات والرؤية الوطنية، حيث تم:

  • إدماج الذكاء الاصطناعي في المناهج
  • تدريب المعلمين بشكل منهجي
  • ربط التعليم بسوق العمل

 القاسم المشترك: الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من بنية التعليم، لا إضافة عليه.

خامسًا: الإسقاط على لبنان – بين التحدي والفرصة

يعاني لبنان من:

  • غياب رؤية تعليمية موحدة
  • ضعف التدريب المهني للمعلمين
  • فجوة بين التعليم وسوق العمل

لكن في المقابل، يمتلك:

  • طاقات بشرية عالية
  • مرونة في المبادرات
  • قدرة على الابتكار في ظل الأزمات

 ما ينقص ليس الإمكانيات، بل الإطار المنظم والرؤية الواضحة.

سادسًا: نموذج تطبيقي قابل للتنفيذ في لبنان

يمكن إطلاق نموذج عملي تدريجي:

1. برنامج وطني لتدريب المعلمين

على كفايات الذكاء الاصطناعي والتدريس التفاعلي.

2. دمج الذكاء الاصطناعي داخل

المواد

بدل عزله كمادة مستقلة.

3. اعتماد التقييم الشفوي

كأداة رسمية مكمّلة لضبط جودة التعلم.

4. استخدام منصات تعليمية ذكية

للتصحيح، التغذية الراجعة، والتعلم المخصص.

5. ربط التعليم بسوق العمل

عبر مهارات رقمية حقيقية.

خاتمة: نحو إعادة بناء التعليم في لبنان

إن التحول نحو التعليم الذكي ليس خيارًا، بل ضرورة وجودية. فالعالم لا ينتظر، والتكنولوجيا لا تتباطأ، والمجتمعات التي لا تعيد بناء تعليمها ستجد نفسها خارج معادلة المستقبل.

في لبنان، لا يجب أن نبدأ من الصفر، بل من حيث نحن: من المعلم، من الصف، من المبادرة.

التوصيات:

  • إطلاق إطار وطني لكفايات الذكاء الاصطناعي
  • تدريب إلزامي للمعلمين
  • إدماج تدريجي للذكاء الاصطناعي في المناهج
  • اعتماد التقييم الشفوي كجزء من النظام التقييمي
  • بناء شراكات بين التعليم وسوق العمل
  • إطلاق مشاريع تجريبية (Pilot) في مناطق مثل طرابلس
  • دعم منصات تعليمية ذكية منخفضة الكلفة

الرؤية النهائية

التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي ليس صراعًا بين الإنسان والآلة، بل هو إعادة تعريف للإنسان نفسه.

المعلم يصبح صانع وعي،

والمتعلم يصبح منتج معرفة،

والمدرسة تصبح مختبرًا للمستقبل.

أما لبنان، فإما أن يختار أن يكون جزءًا من هذا التحول… أو أن يبقى على هامشه

x

‎قد يُعجبك أيضاً

شقير: نأمل أن يكون هذا العيد فرصة حقيقية لقيامة لبنان من أزماته وتحدّياته

كتب رئيس الهيئات الاقتصادية ورئيس تجمع كلنا بيروت الوزي السابق محمد شقير عبر حسابه على ...

لماذا يفشل التحوّل في المؤسسات؟

من المؤسسة التقليدية إلى المؤسسة القادرة على استيعاب الإنسان المعزّز د. ميلاد السبعلي مقدمة لم ...

الأسهم الإماراتية تتماسك وسط التذبذبات الجيوسياسية

تحليل السوق التالي عن دانيال تقي الدين الشريك المؤسس و الرئيس التنفيذي لمجموعة Sky Links ...