كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)
شهدت أسعار الذهب تراجعًا ملحوظًا إلى ما دون مستوى 4800 دولار، لتسجل قرابة 4775 دولارًا خلال الجلسة الآسيوية مع افتتاح تداولات الاسبوع، في تحرك يبدو للوهلة الأولى متناقضًا مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الحيوية للتجارة العالمية. ومن وجهة نظري ، فإن هذا التراجع لا يعكس ضعفًا جوهريًا في مكانة الذهب كملاذ آمن، بقدر ما يكشف عن تحول أكثر تعقيدًا في توازنات السوق، حيث لم تعد العوامل الجيوسياسية وحدها كافية لدفع الأسعار نحو الارتفاع في ظل بيئة نقدية مقيدة.
وإغلاق مضيق هرمز مجددًا وتحذير السلطات الإيرانية للسفن من الاقتراب يمثلان تصعيدًا خطيرًا كان من المفترض تقليديًا أن يدفع المستثمرين نحو الذهب بشكل فوري. غير أن رد فعل السوق هذه المرة كان مختلفًا، وهو ما أفسره بأن المستثمرين باتوا أكثر حساسية لسياسات الفائدة الأمريكية من الأحداث الجيوسياسية نفسها. ففي ظل توقعات استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، يصبح الاحتفاظ بالذهب – الذي لا يدر عائدًا – أقل جاذبية مقارنة بالأصول المدرة للفائدة. لذلك أرى أن العامل الحاسم حاليًا ليس مستوى المخاطر، بل تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب.
والتطورات السياسية بين الولايات المتحدة وإيران، بما في ذلك نفي طهران الدخول في محادثات سلام جديدة، تعكس حالة من عدم اليقين الاستراتيجي التي عادة ما تدعم الذهب. لكنني أعتقد أن الأسواق أصبحت تنظر إلى هذه التوترات على أنها “مزمنة” وليست صدمات مفاجئة، ما يقلل من تأثيرها الفوري على الأسعار. بمعنى آخر، المخاطر الجيوسياسية لم تختفِ، لكنها أصبحت مسعّرة جزئيًا بالفعل، وهو ما يحد من قدرتها على دفع الذهب إلى موجات صعود قوية كما كان يحدث في السابق.
ومن زاوية أخرى، فإن التحول في توقعات السياسة النقدية الأمريكية يلعب دورًا محوريًا في تفسير هذا التراجع. فمع استمرار الضغوط التضخمية، تتجه الأسواق إلى تبني سيناريو “الفائدة المرتفعة لفترة أطول”، وهو ما يدعم الدولار الأمريكي ويضغط على الذهب. ومن وجهة نظري، فإن هذه المعادلة ستظل قائمة على المدى القريب، حيث سيبقى الذهب تحت ضغط طالما لم تظهر إشارات واضحة على تراجع التضخم أو تحول في لهجة الاحتياطي الفيدرالي نحو التيسير.
والأنظار الآن تتجه إلى بيانات مبيعات التجزئة الأمريكية لشهر مارس، والتي يُتوقع أن تسجل نموًا بنسبة 1.3% مقارنة بـ0.6% في فبراير. هذه البيانات، برأيي، ستكون اختبارًا حاسمًا لاتجاه السوق في المدى القصير. فإذا جاءت الأرقام قوية، فإن ذلك سيعزز من توقعات استمرار التشديد النقدي، ما قد يدفع الذهب لمزيد من التصحيح. أما إذا جاءت أقل من المتوقع، فقد نشهد ضعفًا في الدولار وعودة الزخم الصعودي للذهب، خاصة مع استمرار التوترات الجيوسياسية.
وأرى أيضًا أن السوق يعيش حالة من “إعادة التسعير” الشاملة، حيث يتم تقييم الأصول ليس فقط بناءً على المخاطر، بل على توقعات العوائد الحقيقية. وفي هذا السياق، يتراجع الذهب مؤقتًا لأنه لا يواكب ارتفاع العوائد، لكن هذا لا يعني فقدانه لدوره الاستراتيجي. بل على العكس، أعتقد أن أي تراجع إضافي قد يمثل فرصة شراء على المدى المتوسط، خاصة إذا استمرت التوترات في الشرق الأوسط أو ظهرت مؤشرات على تباطؤ الاقتصاد العالمي.
ومن المهم كذلك الإشارة إلى أن سلوك المستثمرين المؤسسيين قد تغير، حيث لم يعد التوجه نحو الذهب تلقائيًا عند حدوث أزمات، بل أصبح أكثر انتقائية وتوقيتًا. وهذا يعكس نضجًا أكبر في الأسواق، لكنه في الوقت نفسه يجعل تحركات الذهب أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للتنبؤ. ومن وجهة نظري، فإن هذا التحول يتطلب من والمستثمرين إعادة النظر في النماذج التقليدية لتفسير حركة الذهب.
وفي ضوء كل ما سبق، أتوقع أن يظل الذهب متقلبًا في المدى القريب، مع ميل هبوطي محدود طالما بقيت الفائدة الأمريكية مرتفعة. لكن على المدى المتوسط، أرى أن العوامل الداعمة للذهب – من توترات جيوسياسية إلى مخاطر اقتصادية – لا تزال قائمة، وقد تعيد الأسعار إلى مسارها الصاعد بمجرد تغير التوازن بين العوائد والمخاطر. لذلك، فإن التراجع الحالي لا يجب أن يُفسر كضعف هيكلي، بل كتصحيح مرحلي ضمن اتجاه أوسع لا يزال يحمل فرصًا استثمارية مهمة.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية