مؤشر الدولار (DXY) بين تشدد الفيدرالي وصلابة الاقتصاد الأمريكي: هل تمهد بيانات التضخم الطريق لموجة صعود جديدة؟

كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)

يواصل مؤشر الدولار الأمريكي الحفاظ على زخمه الإيجابي أعلى مستوى 101.50 نقطة، مدعوماً بمزيج من العوامل الأساسية التي أعادت تشكيل توقعات الأسواق بشأن مسار السياسة النقدية الأمريكية خلال النصف الثاني من العام. ومن وجهة نظري، فإن التحركات الأخيرة للدولار لا تعكس مجرد استجابة مؤقتة لتصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، بل تمثل إعادة تسعير شاملة لاحتمالات بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول مما كانت تتوقعه الأسواق قبل أسابيع قليلة. هذا التحول في التوقعات منح العملة الأمريكية دفعة قوية وأعاد إليها جاذبيتها كأحد أهم الملاذات الاستثمارية في بيئة اقتصادية عالمية لا تزال تتسم بقدر كبير من الضبابية وعدم اليقين.

وأعتقد أن العامل الأكثر تأثيراً في قوة الدولار الحالية يتمثل في التحول الواضح داخل أروقة الاحتياطي الفيدرالي نحو نهج أكثر تشدداً في التعامل مع ملف التضخم. فعلى الرغم من إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير خلال الاجتماع الأخير، فإن الرسائل الصادرة عن أعضاء البنك المركزي حملت إشارات واضحة إلى أن معركة التضخم لم تنته بعد، وأن مخاطر التراجع المبكر عن السياسة النقدية المتشددة قد تكون أكبر من مخاطر الإبقاء على الفائدة مرتفعة لفترة أطول. وفي تقديري، فإن الأسواق بدأت تدرك أن الفيدرالي لن يتسرع في تبني دورة تيسير نقدي واسعة النطاق ما لم يحصل على أدلة قوية ومستدامة تؤكد عودة التضخم إلى مستهدفاته.

وتؤكد توقعات الأسواق الحالية هذه الرؤية، حيث ارتفعت احتمالات رفع أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة بصورة ملحوظة مقارنة بالتقديرات السابقة. ومن وجهة نظري، فإن هذه القفزة في توقعات المستثمرين لا تعكس فقط ثقتهم بموقف الفيدرالي، بل تعكس أيضاً اقتناعاً متزايداً بأن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يمتلك من القوة ما يسمح له بتحمل بيئة نقدية مشددة. وعندما ترتفع احتمالات استمرار الفائدة المرتفعة، فإن العوائد على الأصول المقومة بالدولار تصبح أكثر جاذبية مقارنة بنظيراتها في الاقتصادات الأخرى، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة الطلب على العملة الأمريكية.

و أرى أن بيانات مؤشر مديري المشتريات الأخيرة قدمت دعماً إضافياً ومهماً للدولار الأمريكي، إذ أظهرت أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يتمتع بدرجة عالية من المرونة رغم سنوات من التشديد النقدي. فارتفاع مؤشر مديري المشتريات المركب إلى 52.2 نقطة يعكس استمرار النشاط الاقتصادي في منطقة التوسع، وهو ما يشير إلى أن الشركات الأمريكية ما زالت قادرة على النمو وتحقيق الأداء الإيجابي رغم ارتفاع تكاليف الاقتراض. وبرأيي، فإن هذه البيانات تضعف مؤيدي خفض سريع للفائدة، لأنها تؤكد أن الاقتصاد لم يصل بعد إلى مرحلة التباطؤ التي تستدعي تدخلاً عاجلاً من البنك المركزي.

كما أن الأداء القوي لقطاع التصنيع يحمل دلالات مهمة لا ينبغي تجاهلها. ففي الوقت الذي كانت فيه العديد من الاقتصادات الكبرى تعاني من ضعف النشاط الصناعي، تمكن القطاع الصناعي الأمريكي من تسجيل قراءة أعلى من التوقعات، ما يعكس استمرار الطلب المحلي والخارجي على المنتجات الأمريكية. وأعتقد أن هذه التطورات تعزز الثقة في متانة الاقتصاد الأمريكي وتمنح مسؤولي الفيدرالي مساحة أوسع للإبقاء على موقفهم المتشدد دون القلق من دخول الاقتصاد في ركود حاد خلال المدى القريب.

أما قطاع الخدمات، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الأمريكي، فقد أظهر هو الآخر قدرة واضحة على الصمود والنمو. ومن وجهة نظري، فإن استمرار توسع هذا القطاع يؤكد أن الاستهلاك المحلي لا يزال قوياً وأن سوق العمل ما زال يوفر دعماً مهماً للإنفاق الأسري. وهذه العوامل مجتمعة تعني أن الضغوط التضخمية قد تستمر لفترة أطول مما يأمله الفيدرالي، وهو ما قد يدفعه إلى الإبقاء على نبرته المتشددة خلال الاجتماعات المقبلة، الأمر الذي يصب في مصلحة الدولار على المدى المتوسط.

ومع ذلك، أرى أن الاختبار الحقيقي القادم للدولار سيتمثل في بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي، التي تعد المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي لتتبع التضخم. فإذا جاءت البيانات أعلى من التوقعات أو أظهرت تباطؤاً أقل من المتوقع في وتيرة تراجع الأسعار، فإن ذلك سيعزز قناعة الأسواق بأن الفيدرالي سيواصل نهجه الحالي، وقد يدفع مؤشر الدولار إلى تسجيل مستويات أعلى خلال الفترة المقبلة. أما إذا أظهرت البيانات تراجعاً واضحاً ومستداماً في الضغوط التضخمية، فقد نشهد بعض عمليات جني الأرباح والتراجع المؤقت في العملة الأمريكية، وإن كنت أعتقد أن أي هبوط محتمل سيبقى محدوداً ما دام الاقتصاد الأمريكي يحافظ على قوته الحالية.

كما لا يمكن فصل قوة الدولار عن التحديات التي تواجه الاقتصادات المنافسة. فالتباطؤ الاقتصادي في عدد من المناطق الرئيسية حول العالم، إلى جانب استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي، يدفع المستثمرين إلى البحث عن الأصول الأكثر أماناً وسيولة. ومن وجهة نظري، فإن الدولار لا يزال المستفيد الأكبر من هذه البيئة، خاصة في ظل الفجوة الواضحة بين الأداء الاقتصادي الأمريكي ونظيره في العديد من الاقتصادات المتقدمة الأخرى.

وبناءً على مجمل هذه المعطيات، أتوقع أن يحافظ مؤشر الدولار الأمريكي على اتجاهه الإيجابي خلال المدى القريب والمتوسط، مع بقاء فرص الصعود أكبر من احتمالات الهبوط. وأرى أن أي تراجعات قصيرة الأجل قد تمثل فرصاً لإعادة بناء المراكز الشرائية ما دامت توقعات الفائدة المرتفعة قائمة وما دام الاقتصاد الأمريكي يواصل إظهار مستويات قوية من النمو والمرونة. لذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً في تقديري يتمثل في استمرار التذبذب المائل للصعود خلال الأسابيع المقبلة، مع ترقب الأسواق لكل إشارة تصدر عن الاحتياطي الفيدرالي أو بيانات التضخم الأمريكية باعتبارها المحرك الرئيسي للاتجاه القادم للعملة الأمريكية.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ورشة عمل للمصدّرين… البساط: “رفع الحظر يُعيدنا تدريجياً إلى السوق السعودي والأهم هو إعادة بناء الثقة”

نظّم “المكتب الوطني للمساعدة التجارية” ووزارة الاقتصاد والتجارة، بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) ...

كيا تطلق سيارة PV5 كأول طراز ضمن فئة PBV  (Platform Beyond Vehicle) في الشرق الأوسط وإفريقيا

§ كشفت كيا الشرق الأوسط وإفريقيا عن سيارة “كيا PV5” خلال فعالية أقيمت متحف المستقبل ...

أكاديمية عبد الواحد الرستماني للسيارات المنشأة حديثاً تعزّز تجربة عملاء شيري الإمارات عبر تطوير الكفاءات المتخصّصة في قطاع السيارات

أكاديمية عبد الواحد الرستماني المنشأة حديثاً في أبوظبي تتيح لشيري الإمارات الاستفادة من بيئة تدريبية ...