كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)
يتحرك سوق النفط الخام خلال مرحلة مفصلية تتجاوز في أهميتها مجرد التفاعل مع الأحداث الجيوسياسية اليومية، إذ أصبح أكثر ارتباطًا بتشابك العوامل السياسية والاقتصادية والنقدية والاستثمارية في آن واحد. ومن وجهة نظري، فإن التهدئة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران تمثل تطورًا إيجابيًا للأسواق العالمية، لكنها لا تعني نهاية حالة عدم اليقين التي تحيط بأسواق الطاقة. فالمستثمرون يدركون أن الاتفاقات السياسية في منطقة الخليج غالبًا ما تكون هشة وقابلة للتغير سريعًا، وهو ما يفسر استمرار وجود علاوة مخاطر ضمن تسعير النفط، حتى مع انحسار احتمالات تعطل الإمدادات بصورة فورية. لذلك، فإن رد فعل الأسواق الذي اتسم بالحذر وارتفاع الأسعار بشكل محدود يعكس قراءة عقلانية للمشهد أكثر من كونه موجة تفاؤل كاملة.
وبرأيي، فإن استئناف المحادثات المتعلقة بمضيق هرمز يمثل رسالة طمأنة للأسواق أكثر من كونه ضمانة لاستقرار طويل الأمد. فهذا الممر البحري لا يزال يشكل أحد أهم شرايين تجارة الطاقة العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس فورًا على تكلفة النقل وأسعار النفط والتأمين البحري. إلا أن الأسواق تعلمت خلال السنوات الأخيرة ألا تبالغ في تسعير المخاطر الجيوسياسية إلا عندما تتحول إلى تهديد مباشر للإمدادات الفعلية. لذلك، فإن ارتفاع أسعار خام برنت والخام الأمريكي والخام العماني عقب الإعلان عن خفض التصعيد يعكس توازنًا دقيقًا بين ارتياح المستثمرين من جهة، واستمرار الحذر من جهة أخرى.
ومن وجهة نظري، فإن العامل الأكثر تأثيرًا خلال النصف الثاني من العام لن يكون التطورات السياسية وحدها، وإنما العلاقة بين مستويات الطلب العالمي وسياسات الإنتاج التي تقودها الدول المنتجة، وفي مقدمتها تحالف أوبك+. فإذا استمرت المنظمة في اتباع سياسة إدارة المعروض بصورة مرنة، فإنها ستنجح في الحفاظ على توازن السوق ومنع حدوث انهيار كبير في الأسعار، حتى لو تباطأ النمو الاقتصادي العالمي. وفي المقابل، فإن أي زيادة غير محسوبة في الإنتاج قد تضغط على الأسعار، خاصة إذا تزامنت مع ضعف النشاط الصناعي في الاقتصادات الكبرى.
وأعتقد كذلك أن الأسواق أصبحت تقلل تدريجيًا من تأثير الأخبار الجيوسياسية قصيرة الأجل، بينما تمنح اهتمامًا أكبر للبيانات الاقتصادية ومؤشرات التضخم وأسعار الفائدة. فارتفاع النفط لم يعد يعتمد فقط على المخاطر الأمنية، بل أصبح مرتبطًا بقدرة الاقتصاد العالمي على الحفاظ على وتيرة نمو مستقرة. وإذا استمرت البنوك المركزية في تبني سياسات نقدية متشددة لفترة أطول، فإن ذلك سيؤثر على الاستهلاك والاستثمار، وبالتالي على الطلب العالمي على الطاقة، وهو ما قد يحد من أي موجات صعود قوية في أسعار النفط.
وفي تقديري، فإن ما أشار إليه بنك نيويورك بشأن ظهور قيود جديدة على جانب العرض المرتبطة بالاستثمارات الضخمة في قطاع الذكاء الاصطناعي يستحق اهتمامًا كبيرًا. فالتركيز ينصب غالبًا على الطلب باعتباره المحرك الأساسي للأسعار، بينما يغفل كثيرون أن التوسع العالمي في مراكز البيانات وأشباه الموصلات والبنية التحتية الرقمية يتطلب استثمارات رأسمالية هائلة، ويرفع الطلب على المعادن والطاقة والكهرباء وسلاسل الإمداد الصناعية. وهذا يعني أن الضغوط التضخمية قد لا تختفي بسهولة، حتى مع تراجع المخاطر الجيوسياسية، لأن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة جديدة من الإنفاق الاستثماري الكثيف الذي سيخلق طلبًا إضافيًا على الموارد.
ومن هذا المنطلق، أرى أن الأسواق قد تكون متفائلة أكثر من اللازم بشأن قرب انتهاء دورة التضخم العالمية. فصحيح أن انخفاض حدة التوترات في الخليج يخفف الضغوط على أسعار الطاقة، إلا أن استمرار الإنفاق الحكومي والخاص على مشاريع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب القيود المفروضة على بعض سلاسل التوريد، قد يؤدي إلى إبقاء معدلات التضخم أعلى من المستويات التي تستهدفها البنوك المركزية. وهذا بدوره قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي وغيره من البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو سيناريو يحمل انعكاسات مباشرة على حركة الدولار وأسواق السلع وفي مقدمتها النفط.
ومن وجهة نظري، فإن المستثمرين يجب أن لا يكتفوا بمتابعة الأخبار السياسية، بل بالنظر إلى الصورة الكلية للأسواق. فأسعار النفط اليوم أصبحت نتاج تفاعل معقد بين السياسة النقدية، والاستثمارات الصناعية، والتغيرات في الطلب العالمي، وسلوك المنتجين، وحركة الدولار الأمريكي. وبالتالي، فإن بناء توقعات مستقبلية اعتمادًا على عامل واحد فقط قد يؤدي إلى قرارات استثمارية غير دقيقة. فالأسواق الحديثة أصبحت أكثر حساسية للتغيرات الاقتصادية طويلة الأجل مقارنة بردود الفعل اللحظية تجاه الأحداث السياسية.
أما على صعيد التوقعات، فأرى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار تداول أسعار النفط الخام ضمن نطاق يتراوح بين 70 و80 دولارًا للبرميل خلال المدى القريب، مع ميل واضح نحو الاستقرار الإيجابي، ما لم تحدث تطورات جيوسياسية جديدة أو تغيرات مفاجئة في سياسة الإنتاج العالمية. وإذا استمرت التهدئة الحالية في الخليج بالتزامن مع تحسن الطلب الآسيوي، فقد نشهد محاولات لاختبار مستويات أعلى، إلا أن تجاوز هذه المستويات بصورة مستدامة سيحتاج إلى محفزات اقتصادية قوية تتجاوز مجرد انخفاض المخاطر السياسية.
في المقابل، لا أستبعد حدوث موجات تصحيح هابطة إذا تبين أن الاقتصاد العالمي يتباطأ بوتيرة أكبر من المتوقع، أو إذا استمرت أسعار الفائدة المرتفعة في الضغط على النشاط الاقتصادي العالمي. لذلك فإنني أرى أن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة اتجاه سعري حاد، وإنما مرحلة تقلبات محسوبة داخل نطاقات سعرية واضحة، وهو ما يتطلب من المستثمرين التركيز على إدارة المخاطر أكثر من السعي وراء تحقيق مكاسب سريعة.
وفي النهاية، أعتقد أن الرسالة الأهم التي تقدمها التطورات الأخيرة هي أن سوق النفط دخل مرحلة جديدة تختلف عن الدورات السابقة. فلم يعد النفط يتحرك فقط تحت تأثير الصراعات أو قرارات المنتجين، بل أصبح جزءًا من معادلة اقتصادية عالمية ترتبط بالتحول الرقمي، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والسياسات النقدية، والتغيرات في هيكل الاقتصاد العالمي. ولهذا فإن توقعاتي تميل إلى بقاء أسعار النفط مدعومة خلال الأشهر المقبلة، ولكن ضمن مسار متوازن تحكمه البيانات الاقتصادية أكثر مما تحكمه العناوين السياسية، مع استمرار حالة الحذر التي ستظل السمة الرئيسية للأسواق حتى تتضح صورة النمو العالمي والتضخم بصورة أكبر.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية