الباوند/الدولار بين تباطؤ التضخم البريطاني ومخاطر النفط وقرارات الفيدرالي.. أي السيناريوهات أكثر ترجيحًا؟

كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)

يتحرك زوج الجنيه الإسترليني مقابل الدولار الأمريكي خلال المرحلة الحالية قرب 1.338 نقطة في واحدة من أكثر البيئات الاقتصادية تعقيدًا منذ بداية العام، حيث تتداخل بيانات التضخم البريطانية مع التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتوقعات السياسة النقدية لكل من بنك إنجلترا والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

ومن وجهة نظري، فإن الأسواق أصبحت أقل اهتمامًا بالأرقام الاقتصادية المجردة وأكثر تركيزًا على كيفية انعكاسها على قرارات البنوك المركزية خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يجعل حركة زوج الباوند/الدولار أكثر حساسية لأي مفاجآت سواء في البيانات أو في المشهد الجيوسياسي.

حيث أظهرت بيانات مؤشر أسعار المستهلكين في المملكة المتحدة تباطؤًا إلى 2.6% على أساس سنوي، وهو تطور إيجابي للحكومة البريطانية لأنه يعكس نجاحًا نسبيًا في احتواء الضغوط التضخمية التي أثقلت كاهل الاقتصاد لفترة طويلة. لكنني أرى أن الأسواق ربما تبالغ في تفسير هذا الانخفاض باعتباره نهاية لمعركة التضخم، لأن قراءة شهر واحد لا تكفي لتغيير الصورة الكاملة، خاصة في ظل استمرار نمو الأجور ووجود مخاطر خارجية قد تعيد إشعال موجة جديدة من ارتفاع الأسعار. لذلك فإن هذا التراجع يمنح بنك إنجلترا بعض المرونة، لكنه لا يمنحه الثقة الكاملة للانتقال سريعًا نحو سياسة نقدية أكثر تيسيرًا.

وفي المقابل، ما زالت الأسواق تسعر احتمالًا مرتفعًا لاستمرار التشديد النقدي البريطاني إذا عادت الضغوط التضخمية إلى الواجهة، وهو ما يعكس إدراك المستثمرين بأن البنك المركزي لا يستطيع تجاهل المخاطر المستقبلية. ومن وجهة نظري، فإن الرهان على استمرار استقرار التضخم قد يكون سابقًا لأوانه، لأن الاقتصاد العالمي يواجه حاليًا صدمة جديدة تتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة تصاعد التوترات الجيوسياسية، وهو عامل قادر على تغيير حسابات البنوك المركزية خلال فترة قصيرة.

وهنا تبرز النقطة الأكثر أهمية في المشهد الحالي، وهي الارتفاع القوي في أسعار النفط بعد تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. ففي رأيي، لا يمثل النفط مجرد سلعة تتحرك بفعل الأخبار السياسية، بل يعد أحد أهم المحركات المستقبلية للتضخم العالمي. وإذا استقرت أسعار النفط عند مستويات مرتفعة أو واصلت الصعود، فإن ذلك سينعكس تدريجيًا على تكاليف النقل والإنتاج وأسعار الوقود، الأمر الذي قد يؤدي إلى موجة تضخمية جديدة سواء في المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة، ويجبر البنوك المركزية على تأجيل أي توجه نحو تخفيف السياسة النقدية.

ومن جهة أخرى، يواصل الدولار الأمريكي الاستفادة من مكانته كملاذ آمن كلما ارتفعت مستويات التوتر العالمي. وهذه العلاقة التاريخية غالبًا ما تضغط على العملات الأخرى، بما فيها الجنيه الإسترليني، حتى وإن كانت البيانات الاقتصادية البريطانية مستقرة نسبيًا. لذلك أعتقد أن المستثمرين الذين يراهنون على استمرار صعود الباوند اعتمادًا فقط على تراجع التضخم البريطاني قد يتجاهلون عنصرًا بالغ الأهمية يتمثل في تدفقات رؤوس الأموال نحو الدولار عند تصاعد المخاطر الجيوسياسية.

ولا يقل المشهد الأمريكي أهمية عن نظيره البريطاني، إذ تترقب الأسواق بيانات طلبات إعانة البطالة ومؤشرات مديري المشتريات، قبل الاجتماع المرتقب للاحتياطي الفيدرالي. ومن وجهة نظري، فإن هذه البيانات ستكون حاسمة في تحديد اتجاه الدولار خلال الفترة المقبلة، لأن أي إشارات إلى استمرار قوة الاقتصاد الأمريكي ستمنح الفيدرالي مساحة للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يعزز جاذبية الدولار ويحد من قدرة الجنيه الإسترليني على تحقيق مكاسب مستدامة.

كما أن تغير توقعات الأسواق بشأن قرار الفيدرالي يعكس حجم الضبابية الحالية. فقد انخفضت احتمالات تثبيت أسعار الفائدة مقارنة بالجلسة السابقة، وهو ما يؤكد أن المستثمرين يعيدون تسعير توقعاتهم بصورة متسارعة مع كل تطور اقتصادي أو سياسي. وأرى أن هذه الحالة من عدم اليقين ستزيد من حدة التقلبات في سوق العملات، خصوصًا على زوج الباوند/الدولار، الذي يتأثر في الوقت نفسه بعوامل داخلية بريطانية وأخرى أمريكية وعالمية.

كما أعتقد أن الزوج يمر بمرحلة توازن مؤقت أكثر من كونه دخل اتجاهًا واضحًا. فاستقرار الأسعار قرب المستويات الحالية يعكس انتظار المستثمرين لمحفز جديد يحسم الاتجاه المقبل. وإذا نجح الزوج في اختراق مستويات المقاومة الرئيسية مدعومًا بضعف الدولار أو تحسن البيانات البريطانية، فقد نشهد امتدادًا للمكاسب خلال المدى المتوسط. أما إذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع وجاءت البيانات الأمريكية قوية، فمن المرجح أن يستعيد الدولار زخمه، مما قد يدفع الزوج إلى موجة تصحيح هابطة قد تكون أعمق مما يتوقعه كثير من المتداولين.

وفي تقديري، فإن الخطأ الأكبر الذي قد يقع فيه المستثمرون خلال هذه المرحلة هو التركيز على عامل واحد فقط. فالأسواق الحالية لا تتحرك استنادًا إلى بيانات التضخم وحدها أو قرارات الفائدة فقط، بل أصبحت رهينة تفاعل مجموعة معقدة من المتغيرات تشمل السياسة النقدية، وأسعار الطاقة، والتوترات الجيوسياسية، وتوقعات النمو العالمي. ولهذا فإن قراءة المشهد بصورة شاملة أصبحت ضرورة لا خيارًا.

وفي الختام، أميل إلى الاعتقاد بأن النظرة الإيجابية للجنيه الإسترليني ما زالت قائمة على المدى المتوسط، لكنها تواجه تحديات حقيقية على المدى القصير. وأتوقع أن يبقى زوج الباوند/الدولار عرضة لتقلبات مرتفعة حتى تتضح رؤية الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة، وتتراجع حدة التوترات في الشرق الأوسط، ويثبت التضخم البريطاني أنه يسير بالفعل في مسار هبوطي مستدام. وحتى يتحقق ذلك، أرى أن سيناريو التداول ضمن نطاقات متقلبة مع ميل محدود لصالح الدولار يظل الأكثر ترجيحًا، مع ضرورة مراقبة بيانات الاقتصاد الأمريكي وأسعار النفط باعتبارهما العاملين الأكثر تأثيرًا في رسم الاتجاه القادم للزوج.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الندوة الإقليمية لمشروع WES-BCA عبر الإنترنت حول الأطر التنظيمية لمعالجة التلوث البلاستيكي وتعزيز الاقتصاد الدائري في منطقة البحر الأبيض المتوسط

كيف تؤثر التطورات السياساتية العالمية والإقليمية في تكوين الاستجابات الوطنية للتلوث البلاستيكي؟ تم طرح هذا ...

“الريجي” تضبط مصنوعات تبغية مهرّبة ومزوّرة في قضاءي الشوف وصيدا

أعلنت إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية “الريجي” أن جهازها لمكافحة التهريب ضبط كميات من السجائر ...

وزيرة الشؤون الاجتماعية تبحث مع نظيرتها التركية تعزيز التعاون بين الوزارتين والاتفاق على إعداد مذكرة تفاهم للشراكة التقنية

في إطار زيارتها إلى الجمهورية التركية، عقدت وزيرة الشؤون الاجتماعية السيدة حنين السيد اجتماعاً مع ...