الذهب (XAUUSD) عند نقطة تحول.. ضعف سوق العمل يدعم الصعود، لكن هل يسبق استهداف 4,375 دولارًا تصحيحٌ حاد؟

كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)

الذهب يدخل مرحلة مختلفة تمامًا بعد التحول القوي الذي شهدته الأسعار خلال جلسات التداول الأخيرة قرب 4300 دولار، إذ لم يعد الصعود الحالي مجرد ارتداد فني من مستويات منخفضة، بل أصبح مدعومًا بمجموعة من العوامل الأساسية التي بدأت تعمل في الاتجاه نفسه: ضعف تدريجي في سوق العمل الأمريكي، تراجع الدولار، انخفاض عوائد سندات الخزانة، وتغير نسبي في توقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي. وقد تجاوز الذهب مستوى 4,220 دولار للأونصة بقوة، بينما سجلت الأسعار يوم الأربعاء مكاسب كبيرة دفعتها إلى أعلى مستوياتها في نحو سبعة أسابيع.

ومن وجهة نظري، العامل الأكثر أهمية في تفسير هذه الحركة هو سوق العمل الأمريكي. فقد جاءت بيانات التوظيف الخاص من ADP اضعف من التوقعات. والأهم من الرقم نفسه هو أن مؤشر التوظيف في قطاع الخدمات الصادر عن معهد إدارة التوريد انخفض إلى 47.4 نقطة من 51.2، وهو مستوى يشير إلى انكماش في التوظيف داخل قطاع يمثل جزءًا مهمًا من الاقتصاد الأمريكي. وبذلك بدأت تظهر إشارات متزامنة على أن سوق العمل يفقد بعض الزخم، وهو تطور أعتبره داعمًا للذهب لأنه يعيد إلى الواجهة احتمالات تحول السياسة النقدية مستقبلًا نحو موقف أقل تشددًا.

لكن الصورة الاقتصادية ليست أحادية الاتجاه، وهذه نقطة أرى أنها شديدة الأهمية في قراءة الذهب خلال المرحلة الحالية. فالنشاط في قطاع الخدمات لا يزال متماسكًا، إذ ارتفع مؤشر ISM للخدمات إلى 54.1 نقطة في يوليو، ما يعني أن الاقتصاد الأمريكي لم يدخل مرحلة ضعف حاد حتى الآن. وفي المقابل، ارتفعت الأسعار المدفوعة في القطاع إلى مستويات أعلى، وهو ما يعكس استمرار الضغوط التضخمية.

 لذلك فإن الاحتياطي الفيدرالي يجد نفسه أمام معادلة معقدة: سوق عمل يتباطأ من جهة، وتضخم لم يختفِ بالكامل من جهة أخرى. وهذه المعادلة قد تمنع البنك المركزي من التحول السريع إلى سياسة نقدية تيسيرية، لكنها في الوقت نفسه تجعل رفع الفائدة مجددًا أكثر صعوبة إذا استمر سوق العمل في فقدان قوته.

وفي تقديري، الدولار الأمريكي سيكون أحد أهم مفاتيح الحركة القادمة للذهب. فقد تراجع مؤشر الدولار إلى ما دون مستويات 100 نقطة، بالتزامن مع تراجع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، وهو ما خفف من الضغوط التي كانت تواجه المعدن النفيس. والعلاقة هنا ليست ميكانيكية في كل الأوقات، لكنها تصبح شديدة الأهمية عندما تتزامن حركة الدولار والعوائد مع إعادة تسعير توقعات الفائدة. وكلما زادت قناعة الأسواق بأن الاقتصاد الأمريكي يتجه نحو تباطؤ أكبر، أصبح الاحتفاظ بالدولار وأدوات الدخل الثابت أقل جاذبية نسبيًا، بينما يستفيد الذهب من انخفاض تكلفة الفرصة البديلة لحيازته.

أما العامل الجيوسياسي، فأرى أنه أصبح أكثر تعقيدًا مما يبدو للوهلة الأولى. التقدم في المحادثات المتعلقة بالولايات المتحدة وإيران واحتمالات تهدئة التوترات في المنطقة ساعدا على خفض أسعار النفط، الأمر الذي يخفف بعض مخاطر التضخم ويضغط على عوائد السندات، وهذا بحد ذاته قد يكون داعمًا للذهب من زاوية السياسة النقدية.

 لكن في الوقت نفسه، تراجع المخاطر الجيوسياسية عادة ما يقلل الطلب المباشر على الذهب كملاذ آمن. لذلك فإن قوة الذهب الحالية رغم تحسن التوقعات الجيوسياسية تعني بالنسبة لي أن المحرك الأساسي للحركة أصبح اقتصاديًا ونقديًا بدرجة أكبر، وليس مجرد طلب تحوطي بسبب المخاطر السياسية.

وبالنظر إلى المرحلة القادمة، فإن بيانات إعانات البطالة الأمريكية اليوم الخميس ستكون محطة مهمة قبل تقرير الوظائف غير الزراعية يوم الجمعة. التوقعات تشير إلى 203 آلاف طلب إعانة أولية مقابل 197 ألفًا في القراءة السابقة، لكن الأهم بالنسبة للأسواق لن يكون الرقم منفردًا، بل مدى انسجامه مع الصورة التي بدأت ترسمها بيانات ADP وقطاع الخدمات.

وإذا جاءت بيانات سوق العمل أضعف من المتوقع، فقد تتزايد الضغوط على الدولار والعوائد، وهو السيناريو الذي أراه الأكثر إيجابية للذهب. أما إذا جاءت البيانات قوية بشكل مفاجئ، فقد نشهد إعادة تسعير سريعة لتوقعات الفائدة، خصوصًا أن السوق سيدخل مباشرة بعدها في مواجهة تقرير الوظائف غير الزراعية يوم الجمعة، حيث تشير التوقعات إلى إضافة نحو 80 ألف وظيفة واستقرار البطالة قرب 4.2%.

ومع ذلك، لا أعتقد أن ارتفاع الذهب بأكثر من 4% في جلسة واحدة يعني أن الطريق أصبح مفتوحًا أمام صعود مستقيم. على العكس، هذه السرعة في الحركة ترفع احتمالات حدوث جني أرباح وتصحيح قصير الأجل، خصوصًا بعد تجاوز مستويات فنية مهمة. لذلك فإن وجهة نظري الأساسية تبقى إيجابية للذهب، لكنني لا أفضل مطاردة السعر بعد الاندفاع؛ بل أرى أن أي تراجع منظم سيكون أكثر صحة للاتجاه الصاعد، لأنه يسمح للسوق بتفريغ التشبع وإعادة بناء الزخم من مستويات أكثر توازنًا.

وبناءً على ذلك، أرى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار الاتجاه الصاعد على المدى القريب، لكن مع احتمالية عالية لحدوث موجة تصحيح أو إعادة اختبار قبل استكمال الصعود. وبالنسبة لي، فإن قدرة الذهب على الحفاظ على التداول فوق منطقة 4,220–4,250 دولارًا ستبقي الزخم الإيجابي قائمًا، بينما يمثل اختراق 4,315 دولارًا والثبات فوقه إشارة مهمة على إمكانية انتقال السوق إلى اختبار منطقة 4,360–4,375 دولارًا. وفي المقابل، فإن فشل الأسعار في الحفاظ على مكاسبها بعد هذا الصعود السريع قد يدفع إلى تصحيح أعمق، وهو أمر لا أراه سلبيًا بالضرورة طالما بقي الهيكل الأساسي للاتجاه الصاعد سليمًا.

في النهاية، أعتقد أن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان الذهب قادرًا على الصعود، بل من أي مستويات سيواصل صعوده. الأساسيات الحالية تميل لمصلحة المعدن النفيس، لكن الأسواق لا تتحرك في خط مستقيم، وبيانات الوظائف الأمريكية ستكون الاختبار الأكثر أهمية لتأكيد هذا التحول. فإذا استمر تباطؤ سوق العمل بالتزامن مع تراجع الدولار والعوائد، فإن احتمالات وصول الذهب إلى مستويات أعلى ستزداد بوضوح.

أما المفاجأة الإيجابية في بيانات الوظائف، فقد تمنح الدولار دفعة مؤقتة وتفرض على الذهب تصحيحًا قبل أن يستأنف الاتجاه. لذلك تبقى رؤيتي صعودية بحذر: أراقب التصحيح كفرصة لإعادة التمركز، ولا أتعامل مع الارتفاع الحالي باعتباره نهاية الحركة، بل بداية مرحلة جديدة قد تحمل للذهب أهدافًا أعلى إذا أكدت البيانات الاقتصادية أن قوة الاقتصاد الأمريكي بدأت بالفعل في التراجع.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

استقرار أسعار النفط وسط حذر بشأن العمليات الدبلوماسية في الشرق الأوسط

تحليل السوق التالي عن رامي زيتوني محلل أسواق عالمية – في شركة رامي زيتوني شهدت ...

اجتماع عمل تشاركي مع وزير العمل في المجلس الاقتصادي بحث تنظيم سوق العمل والضمان الاجتماعي في لبنان

عُقد في المجلس الإقتصادي و الإجتماعيّ و البيئي بدعوة من رئيسه شارل عربيد، اجتماع عمل ...

مجموعة CMA CGM عبر شركتها التابعة CEVA Logistics تُنجز الاستحواذ على مجموعة فتّال

استحواذ استراتيجي يعزز الحلول اللوجستية المتكاملة التي تقدمها مجموعة CMA CGM وشركتها التابعةCEVA Logistics في ...