كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)
تدخل أسعار الذهب مرحلة أكثر حساسية مع عودة سعر XAU/USD إلى اختبار مستوى 4400 دولار للأونصة، في وقت تتداخل فيه عدة عوامل أساسية متناقضة بين الدعم والضغط. فبعد تعافي الذهب من أدنى مستوياته في ستة أسابيع قرب 4235 دولارًا، لم يتمكن السعر من تحويل منطقة 4400 دولار إلى قاعدة دعم واضحة، وهو ما أراه إشارة مهمة إلى أن السوق لم يحسم بعد اتجاهه التالي. وفي تقديري، فإن السؤال الأهم لم يعد يتعلق بقدرة الذهب على تسجيل ارتداد قصير الأجل، وإنما بقدرته على استعادة الزخم الصاعد في ظل بيئة نقدية أصبحت أكثر تشددًا وارتفاعًا في عوائد السندات الأمريكية.
ومن وجهة نظري، فإن العامل الأكثر تأثيرًا على توقعات أسعار الذهب في المرحلة الحالية هو الدولار الأمريكي ومسار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي. فقد أصبح واضحًا أن ارتفاع أسعار الفائدة والعوائد الأمريكية يمثلان عبئًا مباشرًا على الذهب، باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا دوريًا. وكان مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد رفع أسعار الفائدة في سبتمبر، مع استمرار الإشارات إلى إمكانية المزيد من التشديد إذا بقي التضخم مرتفعًا. وهذا التطور يغير معادلة الذهب؛ لأن المستثمر لا يقارن الذهب بالدولار فقط، وإنما يقارنه أيضًا بالعائد الذي يمكن الحصول عليه من أدوات الدخل الثابت.
لكنني لا أرى أن ارتفاع الفائدة يعني بالضرورة بداية اتجاه هابط طويل الأمد للذهب. فهناك فارق بين الضغط قصير الأجل الناتج عن ارتفاع العوائد، وبين العوامل الهيكلية التي دعمت الذهب خلال الفترة الماضية. فالذهب لا يتحرك فقط وفق معادلة الفائدة والتضخم، وإنما يتأثر أيضًا بمستوى الثقة في الأصول المالية، واتجاه الديون والعجز المالي، وطلب البنوك المركزية، وحجم المخاطر الجيوسياسية. وهذا ما يفسر جزئيًا قدرة الذهب على التعافي حتى في بيئة شهدت تحولًا أكثر تشددًا في توقعات السياسة النقدية.
وتكشف حركة الأيام الأخيرة هذه المفارقة بوضوح. فقد ارتفع الذهب بأكثر من 2% في 17 سبتمبر، مدعومًا بتراجع الدولار وانخفاض أسعار النفط والعوائد، رغم قرار الاحتياطي الفيدرالي رفع الفائدة. وهذا يعني بالنسبة لي أن السوق أصبح أكثر تعقيدًا من مجرد علاقة تقليدية بين الذهب والفائدة؛ إذ إن تراجع العوائد والدولار يمكن أن يعيد تدفقات الشراء سريعًا إلى المعدن النفيس حتى عندما تكون السياسة النقدية نفسها غير داعمة.
وفي المقابل، فإن عودة التوترات الجيوسياسية قد لا تكون داعمة للذهب بالدرجة التي يتوقعها البعض تلقائيًا. صحيح أن الذهب يُنظر إليه تقليديًا كملاذ آمن، لكن الأزمات الجيوسياسية قد تدفع المستثمرين أيضًا نحو الدولار الأمريكي وسندات الخزانة، خصوصًا عندما تكون الأسواق في حالة بحث عن السيولة. وهذا ما أراه مهمًا في المرحلة الحالية؛ فارتفاع الطلب على الدولار نتيجة المخاطر قد يحرم الذهب من جزء من الدعم الذي يفترض أن يحصل عليه باعتباره ملاذًا آمنًا. ومع تصاعد التوترات في أوروبا والشرق الأوسط، تصبح حركة الدولار وعوائد الخزانة العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت المخاطر الجيوسياسية ستدعم الذهب فعليًا أم ستدعم العملة الأمريكية أولًا.
أما النفط، فأراه متغيرًا مهمًا في المعادلة الحالية. ارتفاع أسعار الطاقة قد يعيد إشعال المخاوف التضخمية، الأمر الذي قد يدفع الأسواق إلى تسعير سياسة نقدية أكثر تشددًا، وهو سيناريو سلبي للذهب. وفي المقابل، فإن استمرار انخفاض النفط قد يخفف الضغوط التضخمية ويمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أقل للتشدد مستقبلًا، وهو ما قد يتحول إلى عامل داعم للذهب. وقد شهدت الأسواق بالفعل تحركًا بهذا الاتجاه عندما ساهم تراجع النفط والدولار في دعم تعافي الذهب خلال الأسبوع الماضي.
ومن زاوية أخرى، أعتقد أن اجتماع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ سيكون من الأحداث التي تستحق المراقبة، ليس لأن نتيجته تحدد سعر الذهب بصورة مباشرة، وإنما لأن أي تطور في العلاقات التجارية بين أكبر اقتصادين عالميين يمكن أن يغير توقعات النمو والتضخم واتجاه الدولار وعوائد السندات. وتظهر التقارير الحالية أن الأسواق تراقب المحادثات التجارية والتكنولوجية عن كثب، في وقت أشارت فيه تصريحات أمريكية إلى إحراز تقدم في المباحثات. لذلك، فإن أي إشارة إلى تهدئة تجارية قد تقلل الطلب على الملاذات الآمنة، بينما قد يؤدي تجدد التوتر إلى إعادة تسعير المخاطر عالميًا.
وبالنسبة إلى توقعاتي لسعر الذهب، أرى أن منطقة 4400 دولار تمثل في الوقت الحالي نقطة اختبار أساسية، ليس فقط من الناحية الفنية وإنما من الناحية النفسية والأساسية أيضًا. نجاح الذهب في تجاوزها والثبات فوقها سيعني أن المشترين قادرون على امتصاص تأثير ارتفاع الدولار والعوائد، بينما استمرار الفشل في اختراقها سيبقي احتمالات إعادة اختبار مناطق الدعم قائمة. وتشير البيانات الحالية إلى تداول الذهب قرب 4340 دولارًا، مع استمرار حساسية السعر لتحركات عوائد السندات وتوقعات الفائدة.
وعليه، فإن رؤيتي للمرحلة المقبلة تقوم على سيناريو مشروط وليس على اتجاه أحادي. فإذا استمر الدولار في التعافي وارتفعت العوائد الأمريكية مع بقاء توقعات رفع الفائدة، فإن الذهب سيظل معرضًا لضغوط تصحيحية، وقد نشهد إعادة اختبار لمناطق الدعم السابقة. أما إذا هدأت العوائد، وضعف الدولار، وتراجعت أسعار النفط بما يسمح بانخفاض الضغوط التضخمية، فإن الذهب سيحصل على مساحة أكبر لاستعادة الزخم ومحاولة تجاوز 4400 دولار من جديد. لذلك، لا أتعامل مع المستوى 4400 باعتباره مجرد رقم فني، بل باعتباره منطقة اختبار للتوازن بين السياسة النقدية والمخاطر الجيوسياسية وتدفقات الملاذ الآمن.
في المحصلة، أرى أن الذهب يدخل مرحلة اختبار حقيقية بعد موجة الصعود القوية التي سبق أن دفعته إلى مستويات تاريخية مرتفعة. والضغط الحالي لا يعني بالضرورة انتهاء الاتجاه الصاعد طويل الأجل، لكنه يكشف أن الطريق نحو قمم جديدة لن يكون مستقيمًا. بالنسبة لي، ستبقى حركة الدولار وعوائد الخزانة الأمريكية وسياسة الاحتياطي الفيدرالي والمتغيرات الجيوسياسية هي مفاتيح قراءة الاتجاه القادم. لذلك، فإن متابعة سعر الذهب وحده قد لا تكون كافية؛ القراءة الأكثر دقة تبدأ من فهم العلاقة بين الذهب والدولار والفائدة والنفط والعوائد. وفي هذه البيئة، أرى أن اختراق 4400 دولار بثبات سيكون إشارة مهمة على عودة القوة الشرائية، بينما استمرار التداول دونه سيبقي الذهب داخل مرحلة إعادة تقييم واختبار للطلب.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية