الفضة عند مفترق طرق.. النفط والدولار يضغطان على XAGUSD، فهل يكسر 60 دولارًا أم يستعد لانطلاقة جديدة؟

كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)

تقف أسعار الفضة مقابل الدولار الأمريكي (XAGUSD) عند مفترق طرق بالغ الأهمية، مع تراجع السعر إلى محيط 60 دولارًا للأونصة تحت ضغط صعود أسعار النفط، وقوة الدولار الأمريكي، وتصاعد التوقعات باستمرار السياسة النقدية المتشددة. لكن قراءة المشهد من منظور التحليل الأساسي لا تسمح باختزال حركة الفضة في موجة هبوط عابرة، أو افتراض أن التراجع الحالي يمهد بالضرورة لانهيار أعمق؛ فالمعدن الأبيض يتحرك داخل معادلة اقتصادية معقدة تتداخل فيها توقعات التضخم، ومسارات أسعار الفائدة، والطلب على الملاذات الآمنة، إلى جانب احتياجات الصناعة العالمية. والسؤال الحقيقي ليس فقط ما إذا كانت الفضة ستكسر مستوى 60 دولارًا، بل ما إذا كانت العوامل الضاغطة الحالية قادرة على تغيير الاتجاه المتوسط الأجل للسوق.

ويمثل ارتفاع أسعار النفط أحد أبرز مصادر الضغط على الفضة في المرحلة الراهنة، ليس لأن العلاقة بين السلعتين ثابتة ومباشرة، وإنما لأن الطاقة تؤثر في توقعات التضخم وتعيد تشكيل رهانات المستثمرين بشأن السياسة النقدية الأمريكية. فارتفاع تكاليف النفط يرفع أعباء النقل والإنتاج، ويزيد احتمالات استمرار الضغوط السعرية، ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، أو حتى دراسة تشديد السياسة النقدية إذا أصبحت مخاطر التضخم أكثر إلحاحًا. وفي هذه الحالة، تجد الفضة نفسها أمام معادلة غير مريحة؛ إذ تتراجع جاذبيتها النسبية عندما ترتفع العوائد على الأصول النقدية والسندات، لأن الاحتفاظ بها لا يوفر دخلًا دوريًا يعوض المستثمر عن تكلفة الفرصة البديلة.

ويزداد هذا الضغط وضوحًا مع اقتراب مؤشر الدولار الأمريكي من أعلى مستوياته في 18 شهرًا، إذ تؤدي قوة العملة الأمريكية عادةً إلى زيادة تكلفة المعادن المقومة بالدولار بالنسبة إلى المشترين من الاقتصادات الأخرى، بما قد يحد من الطلب ويضغط على الأسعار. غير أن أهمية الدولار لا تتوقف عند تأثيره في القوة الشرائية، بل تمتد إلى كونه انعكاسًا لتوقعات السياسة النقدية وتدفقات رؤوس الأموال نحو الأصول الأمريكية. وعندما يجتمع ارتفاع الدولار مع صعود توقعات الفائدة، تصبح الفضة أمام ضغط مزدوج يصعب تجاهله، خصوصًا في ظل ترقب المستثمرين بيانات التضخم الأمريكية التي قد تعيد تسعير توقعاتهم لمسار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.

وتكتسب تصريحات بيث هاماك، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، أهمية خاصة في هذا السياق، بعدما دعت إلى تبني نهج أكثر تشددًا لمواجهة التضخم وإعادة تثبيت توقعاته عند مستهدف 2%. فالمشكلة بالنسبة إلى صانعي السياسة النقدية لا تكمن فقط في قراءة التضخم الحالية، وإنما في احتمال تحوله إلى ظاهرة مستمرة تتغلغل في قرارات الشركات والأسر، وتؤدي إلى ترسيخ توقعات بارتفاع الأسعار. وإذا أظهرت البيانات الأمريكية استمرار الضغوط التضخمية، فقد تتراجع رهانات التيسير النقدي، ويستعيد الدولار زخمه، لتتعرض الفضة لمزيد من الضغوط. أما إذا جاءت الأرقام أقل من المتوقع، فقد تتراجع احتمالات التشديد الإضافي، بما يفتح المجال أمام تعافٍ تصحيحي في أسعار المعدن الأبيض.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن التوترات الجيوسياسية تضيف بُعدًا معاكسًا لهذه المعادلة. فالمخاوف المرتبطة بالصراعات الإقليمية، واحتمالات اتساع المواجهات، واضطرابات إمدادات الطاقة، قد تعزز الطلب على الأصول التي ينظر إليها المستثمرون بوصفها أدوات للتحوط من المخاطر. لكن الفضة تختلف عن الذهب في طبيعة استجابتها لهذه التطورات؛ فهي معدن نفيس وأصل صناعي في الوقت نفسه، ولذلك قد تستفيد من ارتفاع الطلب على الملاذات الآمنة، بينما تتضرر إذا أدت المخاوف الجيوسياسية إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي وتراجع توقعات الطلب الصناعي. ومن هنا، فإن تصاعد المخاطر لا يعني تلقائيًا ارتفاع الفضة، بل يعتمد تأثيره النهائي على طبيعة الصدمة ومدى انعكاسها على النمو والتضخم والسيولة العالمية.

وفي تقديري، يمثل مستوى 60 دولارًا منطقة اختبار مهمة للاتجاه النفسي والفني، لكنه لا يكفي وحده لتحديد المسار المقبل. فالثبات فوقه، بالتزامن مع تراجع الدولار وهدوء عوائد السندات، قد يسمح بعودة المشترين تدريجيًا، خصوصًا إذا دعمت البيانات الاقتصادية توقعات استقرار الفائدة. وفي المقابل، فإن كسر هذا المستوى بإغلاق واضح واستمرار الضغوط النقدية قد يفتح الباب أمام موجة تصحيح أعمق، مع انتقال اهتمام السوق إلى مناطق الدعم التالية التي ينبغي تحديدها وفق حركة السعر الفعلية. والأهم هنا هو التمييز بين كسر لحظي مدفوع بالتقلبات وبين اختراق هابط تؤكده البيانات والتدفقات الاستثمارية.

وعلى المدى المتوسط، ستظل قدرة الفضة على استعادة الزخم مرتبطة بتوازن ثلاثة محركات رئيسية: مسار الدولار الأمريكي، واتجاه أسعار الفائدة الحقيقية، وقوة الطلب الصناعي، خصوصًا في القطاعات المرتبطة بالطاقة الشمسية والإلكترونيات والتطبيقات الكهربائية. فإذا تراجعت الضغوط النقدية بالتزامن مع استمرار الطلب الصناعي، فقد تتشكل بيئة أكثر دعمًا لتعافي الأسعار والانطلاق نحو مستويات أعلى. أما استمرار النفط عند مستويات مرتفعة، مع بقاء التضخم عنيدًا والدولار قويًا، فقد يطيل فترة التصحيح ويجعل استعادة المكاسب أكثر صعوبة.

والخلاصة أن الفضة لا تقف أمام اختبار مستوى سعري فحسب، بل أمام اختبار لقدرتها على التكيف مع مرحلة تتصارع فيها مخاطر التضخم مع رهانات النمو والطلب الصناعي. وكسر 60 دولارًا يظل احتمالًا قائمًا إذا استمرت العوامل السلبية، لكنه ليس حكمًا نهائيًا على الاتجاه المقبل، كما أن الارتداد من هذا المستوى لا يضمن انطلاقة صعودية مستدامة. لذلك، فإن الرهان الأكثر اتزانًا لا يقوم على مطاردة الحركة اليومية، بل على مراقبة بيانات التضخم الأمريكية، وتطورات النفط، واتجاه الدولار والعوائد الحقيقية. فهذه المتغيرات، لا مستوى 60 دولارًا وحده، هي التي ستحدد ما إذا كانت الفضة تستعد لتصحيح أعمق أم تجمع مقومات موجة صعود جديدة.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

شراكة استراتيجية بين مجموعة عُمران ومجموعة حسن علام لإطلاق أولى مراحل التطوير السكني في مدينة العرفان

وقّعت الشركة العُمانية للتنمية السياحية (مجموعة عُمران) اتفاقيتي تطوير مع الذراع العقارية لمجموعة حسن علام، ...

إطلاق BingX لتداول الأسهم الأمريكية عبر Alpaca، مع إتاحة الوصول إلى أكثر من 7,000 سهم وصندوق ETF أمريكي ضمن منصتها متعددة الأصول

أعلنت BingX، منصة التداول متعددة الأصول الرائدة عالميًا، اليوم عن إطلاق تداول الأسهم الأمريكية من ...

دِل تكنولوجيز و”تحالف” توقّعان مذكرة تفاهم لتطوير حلول مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتعزيز المدن الذكية والسلامة العامة في دولة الإمارات

وقّعت دِل تكنولوجيز وشركة تحالف الإمارات للحلول التقنية مذكرة تفاهم للتعاون في تطوير حلول مدعومة ...