من مطار القليعات… أيُّ اقتصادٍ سيُقلِع؟

بين كلفة المرفق وقيمة الممر: اختبار الجدوى والاستثمار وفرص العمل في شمال لبنان

بقلم: د. خالد عيتاني

رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية – مجلة الاقتصاد والأعمال

قد تُقلع أول طائرة تجارية من مطار رينيه معوّض في القليعات في الخامس عشر من تشرين الثاني، لكن الإقلاع الذي ينتظره الاقتصاد اللبناني لا يتعلّق بالطائرة وحدها. فإعادة تشغيل مطار قرار يمكن اتخاذه، أما إنشاء سوق مستدامة حوله فلا يصدر بمرسوم. وبين قدرة الدولة على فتح المدرج وقدرتها على تحويله إلى أصل منتج، يكمن الفارق بين مشروع يستعيد الماضي ومشروع يصنع المستقبل. والسؤال الذي ينبغي أن يسبق الاحتفاء ليس: متى تقلع أول طائرة؟ بل: من أين ستأتي القيمة الاقتصادية، ولمن ستعود، وبأي كلفة ومخاطر؟

تكتسب هذه المفارقة معناها الوطني من زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى طرابلس، حين شدد على أن «الإنماء ليس منّة بل حق للمواطنين»، وأشار إلى مرافق الشمال التي «تتكامل مع بعضها». وفي المعنى الاقتصادي لهذه الرؤية، لا تتحقق العدالة التنموية بتوزيع المنشآت على الخريطة، وإنما بتمكين المناطق من إنتاج القيمة والمشاركة في عوائدها. إنها نقلة من لامركزية الخدمات إلى لامركزية الإنتاج، تحت مظلة دولة واحدة وقواعد استثمار موحدة.

من الإقلاع الأول إلى امتحان السوق

حدّد رئيس الحكومة نواف سلام 15 تشرين الثاني موعدًا لأول رحلة تجارية، مؤكدًا ضرورة استكمال التحضيرات «من دون أي تهاون في المعايير الفنية والأمنية»، ومعتبرًا المشروع خطوة نحو الإنماء المتوازن.

أما وزير الأشغال فايز رسامني، فأكد أن «هذا المطار ليس لعكار وحدها ولا للشمال وحده بل لكل لبنان». وفي مقابلة مع «الاقتصاد والأعمال»، أوضح زياد المنلا، رئيس الشركة المشغّلة Sky Lounge Services، أنه ينظر إلى القليعات باعتباره «محركًا اقتصاديًا وتنمويًا قادرًا على خلق فرص العمل».

وقد اقترب تأهيل مبنى المسافرين، البالغة مساحته نحو 4,700 متر مربع، من مراحله النهائية، وسط تحضيرات لرحلات إلى تركيا والسعودية ومصر والأردن، ما زالت مرتبطة باستكمال الموافقات والإجراءات التشغيلية.

لكن نجاح المطار لا تحدده طاقته الإنشائية وحدها؛ فالاختبار الأول هو الطلب الحقيقي. تتحدث الشركة عن نحو مئة ألف مسافر في السنة الأولى، وصولًا إلى ستمئة ألف أو مليون خلال أربع سنوات. وهذا يعني، عند اعتماد مستهدف ستمئة ألف، مضاعفة الحركة ست مرات.

وإذا افترضنا طائرات تتسع لتسعين مقعدًا، بمعدل إشغال 75%، فإن بلوغ مئة ألف حركة مسافر سنويًا يحتاج إلى نحو رحلتين ذهابًا وإيابًا يوميًا، مقابل اثنتي عشرة رحلة تقريبًا لبلوغ ستمئة ألف. إنها حسابات توضيحية تكشف الفارق بين بدء التشغيل وبناء شبكة جوية مستدامة.

وهنا يبرز السؤال الاقتصادي: هل سيخلق القليعات طلبًا جديدًا، أم سيحوّل جزءًا من حركة مطار بيروت؟ فانتقال المسافر بين مطارين لبنانيين لا يمثل بالضرورة نموًا صافيًا. أما تخفيض كلفة السفر، واختصار الوقت، وفتح أسواق جديدة، واستقطاب زوار واستثمارات إضافية، فهي منافع يمكن احتسابها اقتصاديًا.

الجدوى الاقتصادية: من يتحمل الكلفة ومن يحصل على العائد؟

أقرت الحكومة تشغيلًا انتقاليًا لأربع سنوات، تمهيدًا لشراكة طويلة الأمد. كما تدرس مؤسسة التمويل الدولية إمكانية إدراج القليعات ضمن مشروع استشاري لتطوير المطارات اللبنانية.

وتشير تقديرات صحافية إلى استثمار أولي يتراوح بين 10 و15 مليون دولار، فيما طُرح تصور حكومي طويل الأمد باستثمارات استرشادية تقارب 150 مليون يورو، من دون أن يشكل ذلك تمويلًا نهائيًا ملتزمًا به.

لكن الجدوى لا تقاس بحجم الاستثمار، بل بصافي القيمة التي يولدها. فإيرادات شركة الطيران تختلف عن إيرادات مشغّل المطار، وربحية المشغّل تختلف عن العائد الاقتصادي الوطني.

وتتحدد نقطة التعادل وفق تكاليف التشغيل والصيانة ورأس المال، في مقابل الإيرادات الجوية وغير الجوية. أما الجدوى الاقتصادية الأوسع فتشمل الوقت الموفر، والوظائف الجديدة، والاستثمارات المستحدثة، بعد خصم التكاليف العامة والآثار البيئية والنشاط المنقول من مرافق أخرى.

لذلك، يصبح الإفصاح عن التزامات الدولة والمشغّل، وتوزيع مخاطر الطلب والتكاليف، شرطًا لحماية الاستثمار وتقييم نجاحه بموضوعية.

من خمسين وظيفة إلى اقتصاد مهني متكامل

كشف المنلا عن استقبال أكثر من 18,500 طلب توظيف مقابل نحو خمسين فرصة أولية، أي قرابة 370 طلبًا لكل وظيفة. غير أن هذا الرقم لا يعبّر عن مجموع القوى العاملة التي قد يحتاجها المطار مستقبلًا.

أظهرت دراسة أعدّتها SEO Amsterdam Economics  لصالح مجلس المطارات الدولي – أوروبا (ACI EUROPE) عام 2024، استنادًا إلى بيانات 2019، أن المطارات الأوروبية ارتبطت بنحو 1.8 مليون وظيفة مباشرة، توزعت بين التشغيل والمناولة والطيران والأمن والصيانة والخدمات التجارية. وتبرز الدراسة تنوّع الفرص المهنية التي يمكن أن يوفرها مطار القليعات تدريجيًا، شرط مواءمتها مع نمو الحركة الجوية والاستثمارات والاحتياجات التشغيلية الفعلية، دون إسقاط النسب الأوروبية مباشرة على الواقع اللبناني.

من برج المراقبة إلى قرية الشحن: خريطة موجزة لأبرز القطاعات والوظائف المستقبلية في مطار القليعات

الجهة المسؤولةالوظائف المهنية الأساسيةالقطاع
الشركة المشغّلة والجهات الرقابيةإدارة المطار والعمليات، السلامة والجودة، الموارد والمالية والعقود.١ ـ الإدارة والحوكمة والسلامة التشغيلية
سلطات ومقدمو خدمات الملاحة الجويةمراقبو الحركة الجوية، مهندسو الملاحة والاتصالات، الأرصاد والمعلومات الجوية.٢ ـ المراقبة الجوية والملاحة والأرصاد
الشركة المشغّلة والمتعاقدونتفتيش المدارج والساحات، مراقبة العوائق والطيور، صيانة الكهرباء والميكانيك والمنشآت.٣ ـ عمليات المدارج وصيانة البنية التحتية
الأجهزة الأمنية والجمارك والجهات المختصةأمن الطيران والتفتيش، الجوازات والحدود، الجمارك والرقابة الصحية.٤ ـ الأمن والمراقبة الحدودية والجمارك
المشغّل وفرق الإنقاذ والجهات الصحيةالإطفاء والإنقاذ، الإسعاف، إدارة الطوارئ والاستجابة للحوادث.٥ ـ الإطفاء والإنقاذ وإدارة الطوارئ
الشركة المشغّلة وشركات المناولة والطيرانخدمات الركاب والبوابات، إدارة الأمتعة، توجيه الطائرات والتحميل والمناولة.٦ ـ خدمات المسافرين والمناولة الأرضية
شركات الطيران ومؤسسات الصيانة المعتمدةالطيارون والضيافة، إدارة الرحلات، صيانة المحركات والهياكل وإلكترونيات الطيران.٧ ـ عمليات شركات الطيران وصيانة الطائرات
شركات الوقود والشحن والخدمات اللوجستيةوقود الطائرات، الشحن والمستودعات، البضائع الخطرة والتبريد والبريد الجوي.٨ ـ الوقود والشحن الجوي والخدمات اللوجستية
الشركة المشغّلة ومزودو الأنظمة التقنيةإدارة الأنظمة والشبكات، الأمن السيبراني، حماية البيانات واستمرارية الأعمال.٩ ـ التكنولوجيا والتحول الرقمي والأمن السيبراني
الشركة المشغّلة والمستثمرون والجهات المعنيةالاستثمار والامتيازات التجارية، النقل والمواقف، البيئة والطاقة والاستدامة.١٠ ـ الإدارة التجارية والاستثمار والنقل والاستدامة

ملاحظة: تمثل هذه القطاعات خريطة للوظائف المهنية المحتملة وفق تطور تشغيل المطار، ولا تعني وجود شواغر معلنة في جميعها. وتتوزع المسؤوليات بين المشغّل والجهات الرسمية والشركات المتخصصة وفق الاختصاص والتراخيص المعتمدة.

إن انتقال مطار القليعات من خمسين وظيفة أولية إلى منظومة مهنية متعددة الاختصاصات لن تحكمه توسعة المنشآت وحدها، بل قدرة المطار على استقطاب حركة جوية وتجارية مستدامة، وتوليد طلب فعلي على الخدمات والاستثمارات. فالرهان الاقتصادي لا يكمن في مضاعفة أعداد العاملين، بل في بناء رأس مال بشري متخصص يحوّل المهارات إلى إنتاجية، والكفاءة إلى ميزة تنافسية، بعيدًا عن المحاصصة والاعتبارات غير المهنية. وفي قطاع ترتبط فيه المسؤولية الوظيفية مباشرة بسلامة الأرواح وكفاءة التشغيل، تصبح الجدارة المهنية شرطًا لحماية الاستثمار واستدامة العائد، لا مجرد معيار للاختيار الوظيفي.

الواسطة: حين تتحول المحاصصة إلى خطر اقتصادي وتشغيلي

لكن تنوع هذه الوظائف يطرح سؤالًا يتجاوز التوظيف: من يملك حق شغلها، وعلى أي أساس؟

لقد أُثيرت اتهامات صحافية بشأن ضغوط وتدخلات سياسية في التعيينات، نفاها المنلا مؤكدًا اعتماد الكفاءة والخبرة وإعطاء الأولوية للمؤهلين من عكار والشمال.

ولا يجوز اعتبار الاتهامات حقائق مثبتة، لكن خطر الواسطة يستحق المعالجة الوقائية؛ لأن التوظيف غير المؤهل في قطاع الطيران لا يضعف العدالة فحسب، بل قد يرفع مخاطر الأخطاء التشغيلية، ويزيد تكاليف التدريب والتعطّل، ويؤثر في ثقة شركات الطيران والمستثمرين.

وتحدد منظمة الطيران المدني الدولي، في الملحق الأول لاتفاقية شيكاغو، معايير للمعرفة والخبرة والتدريب والترخيص في المهن الجوية المتخصصة.

ومن هنا، يجب أن تكون الأولوية لأبناء المنطقة بين المستوفين للشروط، لا على حساب تلك الشروط. كما يتطلب فرز الطلبات باستخدام الذكاء الاصطناعي معايير معلنة، واختبارات موضوعية، ومراجعة بشرية، وآلية اعتراض مستقلة.

فالكفاءة ليست نقيضًا للإنماء المتوازن؛ إنها الضمانة التي تحول فرص العمل إلى إنتاجية، وتحمي سلامة المطار واستثماراته.

القليعات والمرفأ والمنطقة الاقتصادية: من المرافق إلى الممر الإنتاجي

أكد وزير الاقتصاد عامر البساط أن «المنطقة الاقتصادية الخاصة تشكّل العمود الفقري لأي خطة تنموية في طرابلس والشمال»، رابطًا دورها بالمرفأ والمطار ومعرض رشيد كرامي الدولي.

وهنا تتجسد القيمة الاستراتيجية للمشروع: المرفأ للبضائع البحرية، والمطار للنقل السريع والبضائع الحساسة للوقت، والمنطقة الاقتصادية للتصنيع والتوضيب والتخزين، وشبكات النقل لربط حلقات الإنتاج بالأسواق.

لكن التكامل لا تصنعه الجغرافيا وحدها؛ بل عقود الشحن الفعلية، والجمارك الرقمية، وسلاسل التبريد، وتنافسية الكلفة، وكفاءة الخدمات.

أما «قرية الشحن» التي يطرحها المنلا، فيجب أن تستند إلى طلب مثبت من المنتجين والمصدّرين والمشغلين اللوجستيين، كي تتحول إلى مركز للقيمة المضافة، لا إلى استثمار في طاقة غير مستخدمة.

خاتمة: ثلاث ضمانات لإقلاع اقتصادي مستدام

إن تشغيل مطار القليعات فرصة وطنية تستحق الدعم والاستثمار، لكن استدامتها تقتضي ثلاث خطوات مترابطة:

أولًا: إنشاء مرصد مستقل للجدوى ينشر دوريًا حركة المسافرين، وكلفة التشغيل والعائد، ونسب الإشغال، وحجم الطلب الجديد، مع ربط التوسع بنتائج اقتصادية مثبتة.

ثانيًا: اعتماد ميثاق ملزم للتوظيف المهني، يحدد المؤهلات والتراخيص والاختبارات وآليات الاعتراض، ويربط الأولوية المحلية بالكفاءة، ويؤسس لبرنامج تدريبي متخصص في الطيران واللوجستيات.

ثالثًا: إطلاق برنامج استثماري متكامل بين المطار ومرفأ طرابلس والمنطقة الاقتصادية الخاصة، يبدأ بمشاريع قابلة للتمويل، وطلب تجاري حقيقي، وعوائد قابلة للقياس.

فالمطار ليس مجرد مدرج نستعيده، بل فرصة لاستعادة الثقة بكفاءة الدولة، وقدرتها على حماية الاستثمار وتوليد فرص العمل وتحويل الموقع الجغرافي إلى قوة إنتاجية.

إن الإقلاع الأول يعيد مطار القليعات إلى شبكة الطيران، أما الكفاءة والاستثمار وتكامل المرافق الاقتصادية، فهي التي تحوّله إلى رافعة وطنية للإنتاج والنمو، وتُسهم في إعادة رسم الجغرافيا الاقتصادية للبنان، وتعزيز موقعه التنافسي في الاقتصادين الإقليمي والدولي.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وزير الصناعة يطلق منصة وزارة الصناعة للخدمات الإلكترونية

أطلق وزير الصناعة جو عيسى الخوري منصّة وزارة الصناعة للخدمات الالكترونية للتراخيص والشهادات الصناعية، بالتعاون ...

جوائز أبوظبي البحرية 2026 تسجل رقماً قياسياً بلغ 132 طلب مشاركة وتبرز مكانتها وتأثيرها في القطاع البحري على المستوى الإقليمي

– الاتحاد للطيران، وفوربس الشرق الأوسط، ومجموعة أدنيك، ومهرجان أبوظبي الدولي للقوارب، وساعات “كاليبر” شركاء ...

جامعة الروح القدس – الكسليك تنظّم مؤتمرًا دوليًا حول التباسات الضيافة وأبعادها الأخلاقية والسياسية والاجتماعية

نظّم قسم الفلسفة في كلية الآداب والعلوم في جامعة الروح القدس – الكسليك مؤتمرًا دوليًا ...