كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)
يتحرك الذهب في المرحلة الراهنة ضمن نطاق عرضي ضيق نسبياً بين مستويات 4785 و4820 دولار، وهو سلوك يعكس حالة من التوازن الحذر بين قوى متعارضة تضغط على السوق في آن واحد. ومن وجهة نظري كخبير مالي ومحلل اقتصادي، فإن هذا التذبذب ليس مجرد حركة عابرة، بل هو تعبير واضح عن حالة “ترقب ذكي” من قبل المستثمرين الذين يعيدون تقييم مراكزهم في ضوء تغيرات عميقة في البيئة الاقتصادية العالمية. فالذهب، الذي لطالما كان مرآة للمخاوف، يبدو اليوم وكأنه في مرحلة إعادة تسعير حقيقية، تتقاطع فيها السياسة النقدية مع الجغرافيا السياسية وتدفقات رؤوس الأموال.
لذا أرى أن العامل الأكثر تأثيراً في الوقت الحالي هو التحول الملحوظ في شهية المخاطرة، حيث تتجه التدفقات الاستثمارية بشكل متزايد نحو الأسهم الأمريكية التي تقترب من تسجيل مستويات تاريخية جديدة. وهذا التحول يسحب السيولة من الذهب كملاذ آمن، ويضعه تحت ضغط مستمر، خاصة مع تراجع حدة التوترات الجيوسياسية بشكل مؤقت نتيجة تنامي الآمال بإحراز تقدم في العلاقات الأمريكية الإيرانية. وبرأيي، هذا الانفراج النسبي لا يعكس نهاية المخاطر، بل يؤجلها فقط، وهو ما يفسر عدم انهيار الذهب رغم ضعف الطلب عليه.
في المقابل، لا يمكن تجاهل الدور المحوري الذي تلعبه عوائد سندات الخزانة الأمريكية، والتي تمثل حالياً أحد أبرز مصادر الضغط على الذهب. فمع ارتفاع هذه العوائد، ترتفع تكلفة الفرصة البديلة لحيازة المعدن الذي لا يدر عائداً، وهو ما يدفع المستثمرين لإعادة توزيع محافظهم. ومن وجهة نظري، هذه العلاقة العكسية بين الذهب والعوائد ستبقى حاسمة خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل استمرار الاحتياطي الفيدرالي في تبني نبرة متشددة نسبياً، مدفوعة ببيانات تضخم لا تزال أعلى من المستهدف.
ورغم ذلك، أعتقد أن ضعف الدولار الأمريكي النسبي فشل حتى الآن في تقديم الدعم الكافي للذهب، وهو أمر لافت ويعكس تغيراً في تحركات السوق. ففي السابق، كان ضعف الدولار كفيلاً بدفع الذهب للارتفاع، أما اليوم، فإن تأثير العوائد المرتفعة يبدو أكثر هيمنة. هذا التحول في العلاقة التقليدية يشير، برأيي، إلى أن الأسواق أصبحت أكثر تركيزاً على العائد الحقيقي وليس فقط على تحركات العملة، وهو تطور مهم يجب أخذه بعين الاعتبار عند بناء أي سيناريو مستقبلي.
ومن زاوية أخرى، أرى أن المخاطر الجيوسياسية لم تختفِ، بل تحولت إلى عامل دعم كامن قد يظهر تأثيره بشكل مفاجئ. التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، على سبيل المثال، لا تزال قائمة، وأي تصعيد مفاجئ قد يعيد الذهب بسرعة إلى دائرة الزخم الصعودي. كذلك، فإن استمرار إغلاق هذا الممر الحيوي أو تعطله بشكل جزئي قد يؤدي إلى ارتفاع إضافي في أسعار النفط، وهو ما يعيد تغذية الضغوط التضخمية ويدخل الأسواق في حلقة معقدة من التفاعلات.
فالتضخم بدوره يمثل محوراً أساسياً في رؤيتي للذهب خلال الفترة المقبلة. مع بقاء معدلات التضخم بالقرب من 3% وارتفاع مؤشر أسعار المنتجين إلى حدود 4%، أرى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول خلال عام 2026. وهذا يعني أن الضغوط على الذهب قد تستمر على المدى القصير، لكن في الوقت ذاته، فإن بقاء التضخم عند مستويات مرتفعة نسبياً يشكل أرضية دعم طويلة الأجل للمعدن، خاصة إذا بدأت الأسواق في التشكيك بقدرة البنوك المركزية على احتوائه بالكامل.
ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال التحول الهيكلي في الطلب على الذهب، خاصة من قبل البنوك المركزية، وعلى رأسها الصين التي واصلت شراء الذهب للشهر الثامن عشر على التوالي. في تقديري، هذا السلوك يعكس توجهاً استراتيجياً لتقليل الاعتماد على الدولار وتنويع الاحتياطيات، وهو عامل دعم عميق لا يظهر تأثيره بشكل فوري على الأسعار، لكنه يعزز الاتجاه العام على المدى الطويل. هذا النوع من الطلب “الصامت” غالباً ما يكون أكثر استقراراً وأقل تأثراً بالتقلبات قصيرة الأجل.
انطلاقاً من كل هذه المعطيات، أرى أن السيناريو المرجح في المرحلة الحالية هو استمرار الحركة العرضية للذهب طالما بقي دون مناطق القمم الأخيرة. السوق، برأيي، يحتاج إلى محفز قوي لكسر هذا النطاق، سواء كان ذلك في شكل تحول واضح في سياسة الفيدرالي أو تصعيد جيوسياسي مفاجئ أو حتى تباطؤ اقتصادي حاد يعيد المخاوف إلى الواجهة. بدون هذه المحفزات، سيبقى الذهب عالقاً في حالة من التردد، يتحرك ضمن نطاقات محدودة تعكس توازن القوى الحالية.
وفي النهاية، أعتقد أن النظرة الاستراتيجية للذهب لا تزال إيجابية ولكن بحذر. نعم، الضغوط قصيرة الأجل قائمة، لكن العوامل الداعمة لم تختفِ، بل أصبحت أكثر تعقيداً وتشابكاً. لذلك، فإنني أميل إلى اعتبار المرحلة الحالية بمثابة “إعادة تموضع” وليست نهاية الاتجاه الصاعد. الذهب، في رأيي، لا يفقد بريقه، بل يعيد تعريف دوره في نظام مالي عالمي يتغير بسرعة، وما يبدو اليوم كحركة عرضية قد يكون في الواقع هدوءاً يسبق تحركاً أكثر حدة في المستقبل القريب.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية