الدولار/الين (USD/JPY): هل تنجح اليابان في السيطرة على الأسعار مع اختبار حاسم بانتظار بيانات التضخم الأمريكية؟

كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)

يشهد زوج الدولار/الين (USD/JPY) واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ بداية العام قرب مستوى 157.19، في ظل تداخل معقد بين السياسة النقدية الأمريكية، ومحاولات اليابان الدفاع عن عملتها، وتصاعد أهمية بيانات التضخم الأمريكية باعتبارها المحرك الأهم لاتجاهات الأسواق العالمية خلال المرحلة الحالية. وبرأيي، فإن التحركات الأخيرة للزوج لا تعكس فقط توازنات العرض والطلب التقليدية، بل تعبر عن صراع مباشر بين قوة الدولار المدعوم بالعوائد الأمريكية المرتفعة، وبين رغبة السلطات اليابانية في منع الين من الانزلاق نحو مستويات قد تهدد الاستقرار المالي والاقتصادي في اليابان.

وفي الأسابيع الماضية، لاحظنا أن السلطات اليابانية أصبحت أكثر وضوحًا وحزمًا في رسائلها تجاه سوق العملات، خصوصًا بعد تجاوز الدولار/الين مستويات 160، وهي المنطقة التي اعتبرتها طوكيو خطًا أحمر غير معلن. والتدخلات التي حدثت، سواء بشكل مباشر أو عبر التصريحات الرسمية، أظهرت أن اليابان مستعدة لاستخدام أدواتها النقدية والمالية لإبطاء ضعف الين، حتى وإن كانت تدرك أن تغيير الاتجاه طويل المدى يتطلب أكثر من مجرد تدخلات مؤقتة. ومن وجهة نظري، فإن نجاح اليابان حتى الآن كان تكتيكيًا أكثر منه استراتيجيًا، إذ تمكنت من إحداث صدمات سعرية سريعة وإجبار المضاربين على تقليص مراكزهم، لكنها لم تنجح بعد في تغيير الأساسيات التي تدعم قوة الدولار.

والسبب الرئيسي وراء ذلك يتمثل في الفجوة الكبيرة بين السياسة النقدية الأمريكية واليابانية. فمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لا يزال يحافظ على معدلات فائدة مرتفعة نسبيًا بسبب استمرار الضغوط التضخمية، في حين يواصل بنك اليابان تبني سياسة نقدية شديدة المرونة مقارنة ببقية البنوك المركزية الكبرى. وهذه الفجوة خلقت بيئة مثالية لاستمرار ما يعرف بصفقات “الكاري تريد”، حيث يقترض المستثمرون بالين منخفض التكلفة للاستثمار في أصول مقومة بالدولار ذات عوائد أعلى. وبرأيي، طالما بقي هذا الفارق في العوائد قائمًا، فإن أي تحسن مستدام للين سيظل محدودًا ومؤقتًا.

لكن ما يجعل المرحلة الحالية أكثر تعقيدًا هو اقتراب صدور بيانات التضخم الأمريكية، والتي قد تمثل نقطة تحول حاسمة ليس فقط للدولار/الين، بل للأسواق العالمية بأكملها. إذا جاءت بيانات التضخم أعلى من التوقعات، فسيعتبر ذلك إشارة إلى أن الفيدرالي الأمريكي قد يضطر للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وربما تأجيل أي خفض محتمل خلال هذا العام. وفي هذه الحالة، أتوقع أن يعود الدولار لاستعادة زخمه الصاعد سريعًا، ما قد يدفع زوج الدولار/الين لإعادة اختبار مناطق 158 ثم 160 من جديد، وهو ما سيضع السلطات اليابانية أمام اختبار شديد الصعوبة.

أما إذا أظهرت بيانات التضخم تباطؤًا واضحًا، فقد نشهد تراجعًا ملحوظًا في عوائد السندات الأمريكية، وهو ما قد يمنح الين فرصة لالتقاط الأنفاس وتصحيح جزء من خسائره الأخيرة. ومع ذلك، أرى أن أي هبوط للدولار/الين في هذا السيناريو قد يبقى محدودًا نسبيًا ما لم يصاحبه تحول فعلي في سياسة بنك اليابان أو إشارات أكثر وضوحًا نحو إنهاء الفجوة النقدية الحالية. فالسوق يدرك أن الاقتصاد الياباني لا يزال هشًا نسبيًا أمام تشديد نقدي قوي، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة وضعف الاستهلاك المحلي.

لذا أعتقد أن الأسواق أصبحت أكثر حساسية تجاه مستويات التدخل الياباني، ولم يعد المستثمرون يتعاملون مع صعود الدولار/الين بنفس الثقة التي كانت موجودة قبل أشهر. أي اقتراب من مستويات 160 قد يدفع المتداولين إلى جني الأرباح مبكرًا خشية تدخل جديد ومفاجئ من وزارة المالية اليابانية. وهذا بحد ذاته خلق نوعًا من “السقف النفسي” المؤقت الذي يحد من اندفاع المشترين، حتى وإن بقي الاتجاه العام صاعدًا على المدى المتوسط.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الدولار الأمريكي يستفيد أيضًا من عوامل داعمة إضافية، أبرزها التوترات الجيوسياسية العالمية وارتفاع الطلب على الأصول الآمنة. فعندما تتزايد المخاطر السياسية أو الاقتصادية، يتجه المستثمرون عادة إلى الدولار باعتباره الملاذ الأكثر أمانًا وسيولة، وهو ما يمنحه قوة إضافية أمام معظم العملات الرئيسية، بما فيها الين الياباني. ومن وجهة نظري، فإن استمرار هذه التوترات سيجعل مهمة اليابان أكثر تعقيدًا، لأن مواجهة قوة الدولار العالمية تختلف تمامًا عن مواجهة المضاربات قصيرة الأجل فقط.

وعلى المدى القريب، أتوقع أن يبقى زوج الدولار/الين ضمن حالة تذبذب مرتفعة مرتبطة بشكل مباشر ببيانات التضخم الأمريكية وتوقعات الفيدرالي المقبلة. السيناريو الأكثر ترجيحًا بالنسبة لي يتمثل في استمرار التداول ضمن نطاق واسع مع ميل صعودي للدولار طالما بقيت البيانات الاقتصادية الأمريكية متماسكة. لكن في الوقت نفسه، أعتقد أن أي صعود حاد وسريع سيقابل برد فعل ياباني قوي، سواء عبر التدخل المباشر أو عبر تصعيد اللهجة الرسمية، وهو ما قد يمنع الأسواق من رؤية اختراقات مستقرة فوق 160 في الوقت الحالي.

وفي النهاية، أرى أن معركة الدولار/الين لم تعد مجرد حركة عملات تقليدية، بل أصبحت مواجهة بين قوتين اقتصاديتين تحاول كل منهما حماية مصالحها وسط بيئة عالمية مضطربة. الولايات المتحدة تسعى للسيطرة على التضخم دون الإضرار بالنمو، بينما تحاول اليابان حماية عملتها دون خنق اقتصادها الهش. وبين هذين المسارين، يبقى المستثمرون أمام سوق شديد الحساسية للأخبار والبيانات، حيث يمكن لأي مفاجأة في التضخم الأمريكي أو أي تدخل ياباني جديد أن يغير اتجاهات الأسعار خلال ساعات قليلة فقط.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تجارة الذكاء الاصطناعي في الأسواق الناشئة

تحليل الأسواق عن احمد عسيري، استراتيجي الابحاث في  Pepperstone تقدم أسواق الأسهم الناشئة للمستثمرين مزيج ...

معاهدة مياه السند.. التزامات غير متكافئة، وتنازلات غير عادلة، واستغلال باكستان للمياه كسلاح

بقلم سانديب كومار ساكسينا، المفوض الهندي السابق لمياه نهر السند الجزء الأول: هيكل غير عادل ...

AirX تطرح طائرة Challenger 604 في السوق لإحداث تحوّل جذري في قطاع الطائرات فائقة المتوسطة

أعلنت AirX، ثاني أكبر مزوّد لخدمات تأجير الطائرات الخاصة في أوروبا، عن انضمام الطائرة 9ATGT-H، ...