تستعد المملكة العربية السعودية لإضافة 358,000 غرفة فندقية جديدة لتلبية الطلب المتزايد على السياحة والاستعداد لاستضافة عدد من أبرز الفعاليات العالمية المقبلة، الأمر الذي يعزز من الزخم الاستثماري في القطاع، ويفتح آفاقاً واسعة أمام نمو صناعة الضيافة في المملكة.
وفي هذا الإطار، تعود قمة مستقبل الضيافة في المملكة العربية السعودية لتُقام خلال الفترة من 22 إلى 24 يونيو في فندق ماندارين أورينتال الفيصلية بالرياض، وتجمع المستثمرين والمطورين والمشغلين وصنّاع السياسات في مرحلة هامة يشهد فيها القطاع تحولات متسارعة وفرصاً استثمارية كبيرة. وتواصل القمة ترسيخ مكانتها بوصفها المنصة الأبرز في المملكة للاستثمار وإبرام الصفقات في قطاع الضيافة، حيث استقطبت نسخة عام 2025 أكثر من 1100 من قادة القطاع، وأسفرت عن فرص أعمال تجاوزت 1.6 مليار دولار أمريكي، الأمر الذي يؤكد دورها كمحطة رئيسية لعقد الشراكات وإطلاق الصفقات النوعية. كما شهدت القمة حضور 254 مستثمراً يديرون أصولاً تتجاوز قيمتها 5.61 تريليون دولار أمريكي.
وقبيل انطلاق القمة، يشارك نخبة من قيادات قطاع الضيافة رؤاهم حول أبرز الفرص والتحديات والأولويات المرتبطة بالاستثمار في المملكة العربية السعودية، من بينهم ديميتريس مانيكيس، رئيس منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في ويندهام للفنادق والمنتجعات؛ وديفيد تومسون، النائب الأول للرئيس للتطوير في مجموعة فيرست للضيافة؛ ومعين شرهان، الرئيس التنفيذي لشركة أمسا للضيافة؛ ودوري معوض، مدير العمليات في مجموعة فنادق إيواء.
آفاق الاستثمار المستقبلية
يؤكد ديميتريس مانيكيس، رئيس منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في ويندهام للفنادق والمنتجعات، أن المملكة العربية السعودية تمثل نموذجاً بارزاً لسوق يقوم نموه السياحي على استراتيجية وطنية طويلة المدى، مشيراً إلى أن رؤية 2030 وضعت خارطة طريق واضحة لتطوير القطاع، مدعومة باستثمارات ضخمة في البنية التحتية، وإصلاحات تنظيمية، ومشاريع وجهات كبرى تسهم في توسيع النشاط السياحي خارج المدن الرئيسية التقليدية وفتح أسواق جديدة أمام قطاع الضيافة. ويضيف أن
المنطقة، رغم ما تشهده حالياً من حالة عدم يقين، فإن المقومات الأساسية طويلة الأجل للسوق السعودية لا تزال قوية.
من جانبه، يؤكد ديفيد تومسون، النائب الأول للرئيس للتطوير في مجموعة ذا فيرست للضيافة، أن آفاق قطاع الضيافة في المملكة بعد عام 2026 تبدو واعدة، لافتاً إلى أن مبادرات إكسبو 2030 ورؤية 2030 تواصل خلق زخم مستدام للنمو. ويضيف أن المجموعة، بصفتها مشغلاً مستقلاً، تواصل استثماراتها المكثفة لتوسيع حضور علامتها التجارية وتعزيز انتشارها في السوق السعودية.
أبرز الفرص الاستثمارية
يرى خبراء قطاع السياحة والضيافة أن الفرصة الاستثمارية الأبرز تكمن في فئة الفنادق المتوسطة، رغم أن 75% من الغرف الفندقية الجديدة المرتقبة تندرج ضمن الفئة الفاخرة.
وفي هذا السياق، يقول معين شرهان، الرئيس التنفيذي لشركة أمسا للضيافة، إن أكبر الفرص تتوفر في تطوير الفنادق المتوسطة القابلة للتوسع في المدن التي تشهد طلباً فعلياً على الإقامة، موضحاً أن الفنادق التي تقع في مواقع مناسبة وتدار بشكل جيد يمكنها تحقيق نسب إشغال مستقرة، وزيادة عدد الزوار المتكررين، وتحقيق عوائد قوية، دون الحاجة إلى الاعتماد على الأسعار المرتفعة الخاصة بالفنادق الفاخرة.
ويتفق ديميتريس مانيكيس مع هذا الرأي، موضحاً أن فئتي الفنادق المتوسطة وفوق المتوسطة تستقطبان أكبر عدد من المسافرين حول العالم، لأنها تناسب شريحة واسعة من الزوار وتلبي احتياجاتهم المختلفة، إلى جانب أنها تمنح المستثمرين فرصاً أفضل من حيث التكاليف وسهولة التطوير وتحقيق عوائد مستقرة.
من جانبها، ترى دوري معوض، مدير العمليات في مجموعة فنادق إيواء، أن من أبرز الفرص المتاحة حالياً مشاريع الإقامة طويلة الأمد والمشاريع متعددة الاستخدامات، لأنها تلبي احتياجات المقيمين لفترات أطول، وقطاع الشركات، والباحثين عن أسلوب حياة أكثر مرونة، إلى جانب ما توفره من عوائد مالية أفضل.
التحديات
يرى ديفيد تومسون أن من أبرز التحديات التي قد تواجه القطاع خلال السنوات المقبلة مسألة توقيت افتتاح المشاريع الجديدة واحتمال زيادة المعروض، موضحاً أن العدد الكبير من المشاريع قيد التطوير
يتطلب تخطيطاً دقيقاً في مراحل التنفيذ. ويضيف أن افتتاح عدد كبير من الفنادق في الوقت نفسه وفي مناطق محددة قد يضغط على أداء السوق خلال المدى القصير والمتوسط.
ويتفق معين شرهان مع هذا الرأي، مشيراً إلى أن التكاليف، والجداول الزمنية للتنفيذ، واحتياجات التوظيف قد تتغير بسرعة، وهو ما قد يؤثر على العوائد الاستثمارية بشكل أكبر مما تتوقعه كثير من الدراسات والخطط الأولية.
تطور نماذج التشغيل
فيما يتعلق بتطور نماذج تطوير الفنادق، يؤكد ديميتريس مانيكيس أن نموذج الامتياز التجاري يشكل محوراً رئيسياً في استراتيجية ويندهام، مشيراً إلى أن السوق يشهد توجهاً متزايداً نحو النماذج التشغيلية الخفيفة التي تمنح الملاك قدرة أكبر على إدارة أصولهم، مع الاستفادة في الوقت نفسه من قوة العلامة التجارية، وأنظمة التوزيع العالمية، وبرامج الولاء، والدعم التشغيلي.
وتتفق دوري معوض مع هذا التوجه، موضحة أن السوق يتجه بشكل متزايد نحو نماذج أكثر مرونة تعتمد على عقود إدارة أخف، ورسوم مرتبطة بالأداء، إلى جانب التوسع الانتقائي في الامتياز التجاري بما يحقق توازناً أفضل بين الكفاءة التشغيلية والعائد الاستثماري.
أولويات المستثمرين
يرى خبراء القطاع أن المستثمرين اليوم يركزون على ثلاثة عناصر رئيسية عند اتخاذ قراراتهم، وهي الاستقرار، والعائد، وفرص النمو على المدى الطويل، أو تحقيق توازن واضح بينها.
وفي هذا السياق، يقول معين شرهان إن المستثمرين لا يزالون يبحثون عن النمو، لكنهم يفضلون أن يكون هذا النمو قائماً على أسس مستقرة وقادرة على مواجهة تقلبات السوق، موضحاً أنهم يعطون الأولوية للأصول التي تحافظ على أدائها في مختلف الظروف، وليس فقط خلال فترات الطلب المرتفع. ويضيف أن ذلك يشمل اختيار المواقع المناسبة، والإدارة التشغيلية الجيدة، إلى جانب العلامات التجارية والمشغلين القادرين على الحفاظ على الربحية وجودة الخدمة مع التوسع.
من جانبه، يؤكد ديفيد تومسون أن المستثمرين اليوم يبحثون عن نماذج عمل قادرة على الصمود أمام تغيرات السوق ودوراته المختلفة. ويضيف أنه رغم أهمية العائد المالي، فإن المرونة التشغيلية وإمكانات النمو المستقبلي أصبحت عوامل أساسية لا تقل أهمية عند تقييم أي فرصة استثمارية.
استراتيجية جاهزة للمستقبل
كيف تبدو استراتيجية الاستثمار الفندقي الجاهزة للمستقبل بحلول عام 2030؟ هل ترتكز على التكنولوجيا، أم القدرة على الصمود، أم تحقيق عائد مستدام على الاستثمار؟
يرى ديميتريس مانيكيس أن الإجابة تكمن في الجمع بين تطوير مدروس للمشاريع، وشراكات قوية مع العلامات التجارية، والانسجام مع الاستراتيجيات السياحية طويلة المدى مثل رؤية السعودية 2030، مع ضمان استفادة الملاك من أنظمة التوزيع العالمية، والتكنولوجيا، ومنظومات الولاء التي تسهم في الحفاظ على الطلب بشكل مستمر.
ويؤكد معين شرهان أن على المستثمرين التركيز على المشاريع التي تستند إلى عوامل طلب واضحة، وتتمتع بتصميم مرن للأصول، إلى جانب اختيار مشغلين قادرين على الحفاظ على الربحية، بحيث يبقى الأداء قوياً في الأوقات الطبيعية، وليس فقط خلال فترات ازدهار السوق.
من جانبها، ترى دوري معوض أن الاستراتيجية الجاهزة للمستقبل يجب أن تعتمد على التكنولوجيا، وتنوع مصادر الطلب، وكفاءة التشغيل، وبناء تدفقات نقدية مستقرة وقادرة على الاستمرار على المدى الطويل. ويتفق ديفيد تومسون مع هذا الطرح، مشيراً إلى أهمية توجيه رأس المال بشكل منضبط، والتركيز على عائد مستدام على الاستثمار، مع تحقيق توازن دقيق بين حجم المعروض وأساسيات السوق الفعلية.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية