كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)
يبدو أن زوج اليورو/الدولار الأمريكي يدخل هذا الأسبوع في مرحلة شديدة الحساسية، ليس فقط من الناحية الفنية، بل أيضاً على مستوى التوازنات الاقتصادية والجيوسياسية التي بدأت تعيد تشكيل توقعات المستثمرين تجاه الدولار الأمريكي واليورو معاً. فمن وجهة نظري، فإن الأسواق لم تعد تتعامل مع التطورات في الشرق الأوسط باعتبارها مجرد أحداث سياسية عابرة، بل بدأت تنظر إليها كمحرك مباشر للتضخم العالمي ولمسار السياسة النقدية الأمريكية خلال النصف الثاني من العام. وهذا التحول في طريقة تسعير المخاطر يفسر بوضوح لماذا بقي الدولار متماسكاً رغم تراجع شهية المخاطرة أحياناً، ولماذا فشل اليورو حتى الآن في تحقيق اختراقات صاعدة مستدامة أمام العملة الأمريكية.
والتطور الأبرز في تقديري يتمثل في عودة أسعار النفط إلى الارتفاع بعد التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة في إيران، لأن هذه الارتفاعات لا تعني فقط زيادة تكلفة الطاقة، بل تعني أيضاً إعادة إحياء مخاوف التضخم التي كانت الأسواق تعتقد أنها بدأت تنحسر تدريجياً خلال الأشهر الماضية. فعندما ترتفع أسعار النفط بهذا الشكل في ظل اقتصاد عالمي هش نسبياً، فإن البنوك المركزية تجد نفسها أمام معادلة معقدة للغاية؛ فهي من جهة لا تريد خنق النمو الاقتصادي عبر تشديد السياسة النقدية، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل عودة الضغوط التضخمية. وهنا تحديداً أرى أن الدولار الأمريكي بدأ يستفيد من هذا التناقض أكثر من اليورو.
وبرأيي، الأسواق كانت تبالغ خلال الفترة الماضية في تسعير احتمالات خفض الفائدة الأمريكية بوتيرة سريعة، وكأن الاحتياطي الفيدرالي أصبح قريباً جداً من التحول الكامل نحو التيسير النقدي. لكن الواقع الحالي يشير إلى أن الفيدرالي قد يضطر إلى الحفاظ على معدلات فائدة مرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعاً، خاصة إذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع أو إذا بدأت بيانات التضخم الأمريكية بإظهار أي تسارع جديد. وهذا السيناريو يمنح الدولار دعماً جوهرياً، لأن العوائد الأمريكية ستبقى جذابة مقارنة بالعديد من الاقتصادات الأخرى، وفي مقدمتها منطقة اليورو التي تعاني أساساً من تباطؤ اقتصادي واضح.
أما بالنسبة لليورو، فأنا أعتقد أن العملة الأوروبية تواجه تحديات أكثر تعقيداً مما تبدو عليه في الظاهر. صحيح أن بعض المستثمرين ما زالوا ينظرون إلى اليورو كبديل مؤقت للدولار في حال تحسن شهية المخاطرة العالمية، لكن البيانات الاقتصادية الأوروبية الأخيرة لا تمنح البنك المركزي الأوروبي مساحة كبيرة للتشدد النقدي. مؤشرات مديري المشتريات الأخيرة كانت ضعيفة نسبياً، والنشاط الصناعي لا يزال يعاني، إضافة إلى أن وتيرة النمو الاقتصادي الأوروبي تبدو أقل استقراراً مقارنة بالاقتصاد الأمريكي. لذلك، فإن أي ارتفاعات لليورو مقابل الدولار قد تبقى محدودة ما لم نشهد تحولاً جذرياً في البيانات الاقتصادية الأوروبية أو تراجعاً واضحاً في قوة الدولار.
ومن وجهة نظري، فإن الأسواق أصبحت تدرك تدريجياً أن أزمة الطاقة لم تعد مجرد عامل مؤقت، بل عنصر مؤثر في تشكيل السياسة النقدية العالمية خلال المرحلة المقبلة. وإذا استمرت التوترات الجيوسياسية الحالية أو تصاعدت بشكل أكبر، فقد نرى أسعار النفط تتحرك نحو مستويات أعلى بكثير، وهو ما سيزيد من تعقيد مهمة البنوك المركزية. في مثل هذه البيئات، يميل المستثمرون عادة إلى التوجه نحو الدولار باعتباره ملاذاً آمناً وعملة ذات عائد مرتفع نسبياً، وهو ما يفسر استمرار الطلب على العملة الأمريكية رغم التذبذبات الحادة في أسواق الأسهم والسندات.
وأعتقد أيضاً أن الأسواق قد تقلل حالياً من احتمالية استمرار الفيدرالي في لهجته المتشددة لفترة أطول. فحتى لو لم يقم البنك برفع الفائدة مجدداً، فإن مجرد تأجيل خفض الفائدة لفترة ممتدة سيكون كافياً للحفاظ على قوة الدولار. وهذه النقطة مهمة جداً لأن المستثمرين خلال الأشهر الماضية بنوا جزءاً كبيراً من توقعاتهم على فكرة أن دورة التيسير النقدي الأمريكي أصبحت وشيكة. وإذا تغير هذا التصور، فإننا قد نشهد إعادة تسعير واسعة في سوق العملات، قد تدفع زوج اليورو/الدولار إلى موجات هبوط إضافية خلال الأسابيع المقبلة.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن أي انفراج دبلوماسي حقيقي في الشرق الأوسط قد يغيّر جزءاً من هذه المعادلة. فإذا هدأت التوترات وتراجعت أسعار النفط بشكل ملحوظ، فقد تعود الأسواق إلى التركيز على تباطؤ الاقتصاد الأمريكي واحتمالات خفض الفائدة لاحقاً، وهو ما قد يضغط على الدولار مؤقتاً. لكنني أرى أن هذا السيناريو لا يزال ضعيفاً في الوقت الحالي، لأن التصريحات السياسية الأخيرة تشير إلى أن الطريق نحو اتفاق شامل لا يزال معقداً وطويلاً. وبالتالي، فإن عنصر عدم اليقين سيبقى مهيمناً على معنويات المستثمرين.
ومن الناحية الاستراتيجية، أتوقع أن يبقى زوج اليورو/الدولار تحت ضغط بيعي خلال المدى القصير والمتوسط، خاصة إذا استمرت البيانات الأمريكية في إظهار مرونة اقتصادية مقبولة بالتزامن مع بقاء التضخم فوق المستويات المستهدفة. كما أن الفجوة الحالية بين توقعات السياسة النقدية الأمريكية والأوروبية تصب بوضوح في مصلحة الدولار. لذلك، أعتقد أن أي صعود لليورو قد يمثل فرصة لإعادة بناء مراكز بيعية جديدة ما لم تظهر تغيرات جوهرية في المشهد الاقتصادي أو السياسي العالمي.
في النهاية، أرى أن المرحلة الحالية في الأسواق لا تُدار فقط بالأرقام الاقتصادية التقليدية، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بعوامل الطاقة والجغرافيا السياسية وتوقعات التضخم العالمية. ولهذا السبب، فإن حركة زوج اليورو/الدولار خلال الفترة المقبلة ستعتمد بدرجة كبيرة على كيفية تفاعل أسعار النفط مع التطورات السياسية، وعلى مدى استعداد الاحتياطي الفيدرالي للاستمرار في سياسته الحذرة. وحتى هذه اللحظة، ما زلت أعتقد أن ميزان المخاطر يميل لصالح الدولار الأمريكي أكثر من اليورو، وأن الأسواق قد لا تكون قد استوعبت بالكامل بعد حجم التأثير الذي يمكن أن تتركه أزمة الطاقة الحالية على الاقتصاد العالمي والسياسة النقدية خلال الأشهر القادمة.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية