كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)
تدخل الفضة مرحلة بالغة الحساسية من دورة الأسواق العالمية، حيث تتقاطع العوامل الجيوسياسية مع المتغيرات النقدية والاقتصادية بطريقة تجعل توقعات المعدن الأبيض أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فعلى الرغم من أن الفضة نجحت في التماسك قرب مستويات 63 دولاراً للأونصة بعد موجة من الضغوط البيعية، فإن التحركات الحالية لا يمكن قراءتها من منظور فني بحت، بل يجب النظر إليها ضمن سياق أوسع يتضمن التوترات في الشرق الأوسط، ومستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية، واتجاهات التضخم العالمية، ومسار السياسة النقدية الأمريكية خلال الأشهر المقبلة.
ومن وجهة نظري، فإن العامل الأكثر تأثيراً على الفضة حالياً يتمثل في تراجع التفاؤل بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق مستدام بين الولايات المتحدة وإيران. فكلما ازدادت الشكوك حول المسار الدبلوماسي، ارتفعت احتمالات استمرار التوترات في منطقة تعد شرياناً رئيسياً لإمدادات الطاقة العالمية. هذا الأمر لا ينعكس فقط على أسعار النفط، بل يمتد تأثيره إلى توقعات التضخم وأسواق السلع والمعادن بشكل عام. وعندما ترتفع مخاطر التضخم نتيجة احتمالات اضطراب الإمدادات النفطية، فإن المستثمرين يعيدون تقييم محافظهم الاستثمارية بحثاً عن أدوات تحافظ على القيمة في مواجهة تآكل القوة الشرائية للعملات.
كما أرى أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة بشأن إمكانية توجيه ضربات مباشرة لإيران في حال استمرار التصعيد الإقليمي قد أضافت حالة جديدة من عدم اليقين إلى المشهد العالمي. والأسواق بطبيعتها لا تكره شيئاً أكثر من الضبابية، ولذلك فإن أي إشارات إلى احتمال اتساع نطاق الصراع أو تعثر المفاوضات تؤدي عادة إلى زيادة الطلب على الأصول الدفاعية والملاذات الآمنة. ورغم أن الذهب يبقى الوجهة التقليدية الأولى في مثل هذه الظروف، فإن الفضة غالباً ما تستفيد من هذه التدفقات الاستثمارية، خصوصاً عندما تتزامن المخاطر الجيوسياسية مع مخاوف تضخمية متصاعدة.
لكن الصورة ليست إيجابية بالكامل بالنسبة للفضة. فمن الناحية الأساسية، ما زلت أعتقد أن أكبر التحديات التي تواجه المعدن الأبيض تتمثل في استمرار السياسة النقدية المتشددة للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. فالبنك المركزي الأمريكي، رغم تثبيته أسعار الفائدة مؤخراً، بعث برسائل واضحة إلى الأسواق بأنه لا يزال قلقاً بشأن التضخم، وأن خيار رفع الفائدة مجدداً لم يخرج من الحسابات. وفي تقديري، فإن هذه الرسائل قد تكون أكثر تأثيراً على الفضة من قرار الفائدة نفسه، لأن الأسواق تتفاعل مع التوقعات المستقبلية أكثر من تفاعلها مع الأحداث الحالية.
وعندما ترتفع أسعار الفائدة أو تتزايد التوقعات باستمرارها عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، تصبح تكلفة الاحتفاظ بالأصول غير المدرة للعائد أعلى نسبياً. وهذا يشكل ضغطاً مباشراً على المعادن الثمينة وفي مقدمتها الفضة. لذلك أرى أن أي موجة صعود مستقبلية للفضة ستواجه اختباراً حقيقياً أمام قوة الدولار الأمريكي واستمرار العوائد المرتفعة على السندات الأمريكية. وإذا نجح الدولار في الحفاظ على زخمه الحالي، فقد نشهد فترات من التذبذب والتصحيح حتى مع بقاء العوامل الجيوسياسية داعمة للأسعار.
وفي المقابل، هناك جانب غالباً ما يتم تجاهله في التحليلات قصيرة الأجل، وهو الطلب الصناعي المتزايد على الفضة. فالتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، وتوسع استخدام الألواح الشمسية، والتقدم في الصناعات الإلكترونية والتقنيات الحديثة، كلها عوامل تدعم الطلب طويل الأجل على المعدن. ومن وجهة نظري، فإن هذا الطلب الهيكلي يشكل قاعدة دعم قوية للفضة، ويحد من احتمالات حدوث انهيارات سعرية عميقة كتلك التي شهدتها بعض الدورات السابقة.
كما أعتقد أن الأسواق قد تكون بصدد إعادة تسعير مخاطر التضخم العالمية خلال النصف الثاني من العام. فإذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع نتيجة التوترات الجيوسياسية أو أي اضطرابات محتملة في مضيق هرمز، فإن الضغوط التضخمية قد تعود للواجهة بقوة أكبر مما تتوقعه الأسواق حالياً. وفي مثل هذا السيناريو، قد تجد الفضة نفسها مستفيدة من عاملين متزامنين: دورها كأصل تحوطي ضد التضخم، واستمرار الطلب الصناعي المرتبط بالنمو الاقتصادي العالمي.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، أميل إلى الاعتقاد بأن الاتجاه العام للفضة لا يزال يميل إلى الإيجابية على المدى المتوسط، رغم احتمالات استمرار التقلبات الحادة على المدى القصير. فالمعدن يتحرك حالياً بين قوتين متعارضتين؛ الأولى داعمة للأسعار وتتمثل في المخاطر الجيوسياسية وتوقعات التضخم والطلب الصناعي، والثانية ضاغطة تتمثل في تشدد الاحتياطي الفيدرالي وقوة الدولار الأمريكي. وفي رأيي، فإن الكفة قد تميل تدريجياً لصالح العوامل الداعمة إذا استمرت حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي العالمية.
وبناءً على ذلك، أتوقع أن تبقى الفضة محافظة على قدرتها على جذب المستثمرين خلال الفترة المقبلة، مع إمكانية استهداف مستويات أعلى من المستويات الحالية إذا استمرت التوترات الجيوسياسية وتصاعدت مخاطر التضخم. أما السيناريو السلبي الذي أراقبه عن كثب فيتمثل في نجاح الاحتياطي الفيدرالي في اعادة توقعات الفائدة المرتفعة لفترة طويلة بالتزامن مع هدوء التوترات السياسية، وهو ما قد يدفع الفضة إلى الدخول في مرحلة تصحيح أعمق. وحتى يحدث ذلك، أرى أن الاتجاه الاستراتيجي للمعدن الأبيض لا يزال يميل إلى الصعود، وإن كان طريقه نحو مستويات أعلى سيبقى مليئاً بالتقلبات والتحديات التي تتطلب من المستثمرين قدراً كبيراً من الحذر والانضباط في إدارة المخاطر.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية