هل ترسم صناديق الاقتراع الأميركية مستقبل الشرق الأوسط؟

من مضيق هرمز إلى الكونغرس… حين تدخل انتخابات نوفمبر في ميزان الحرب الأميركية–الإيرانية

بقلم د. خالد عيتاني

منذ الثورة الإيرانية عام 1979، لم تعد العلاقة بين واشنطن وطهران مجرد خصومة بين دولتين؛ بل أصبحت معادلة يتقاطع فيها الأمن بالطاقة، والعقوبات بالاقتصاد، والسياسة الخارجية بالداخل الأميركي. وقد أثبتت أزمة الرهائن في عهد جيمي كارتر أن أزمة تبدأ في طهران تستطيع أن تعبر المحيط وتدخل قلب السياسة الأميركية.

اليوم تعود إيران إلى صندوق الاقتراع الأميركي من باب مختلف: لا رهائن في سفارة، بل حرب، ومضيق هرمز، وبرميل نفط، وتضخم، وكلفة معيشة.

وهنا تكمن المفارقة السياسية لترامب. فالرئيس الذي قال بعد فوزه عام 2024 إنه لن يبدأ الحروب بل سيوقفها، يجد نفسه قبل انتخابات التجديد النصفي أمام حرب لم تحقق بعد نهاية سياسية واضحة، وأمام مضيق تحول من شريان للطاقة إلى ورقة ضغط على الاقتصاد العالمي، وأمام ناخب لا يسأل فقط مَن يربح عسكريًا، بل كم يدفع هو ثمن هذه الحرب.

لذلك لم يعد السؤال: هل تؤثر الحرب في الانتخابات؟

السؤال الأهم أصبح: هل تدخل الانتخابات نفسها في الحرب؟

وهل يمكن لصوت يوضع في صندوق اقتراع في بنسلفانيا أو ميشيغان أن يعود بعد ذلك إلى طهران وتل أبيب والخليج ليغيّر حدود القوة وشروط التفاوض؟

هرمز… حين تتحول الجغرافيا إلى فاتورة

على الخريطة، يبدو مضيق هرمز بعيدًا عن المواطن الأميركي. لكن الاقتصاد لا يعترف دائمًا بالمسافات.

قبل الأزمة كان يعبر المضيق ما يقارب خُمس الاستهلاك النفطي العالمي. وحين يضطرب ممر بهذه الأهمية، لا تبقى التداعيات عند شواطئ الخليج. يبدأ الأثر في النفط، ثم ينتقل إلى التكرير والشحن والتأمين والديزل والنقل، قبل أن يصل إلى الغذاء والسلع والخدمات.

هنا تتحول الجغرافيا إلى سعر، والسعر إلى تضخم، والتضخم إلى سياسة.

والولايات المتحدة، رغم كونها أكبر منتج للنفط، ليست محصنة من السوق العالمية. قد تنتج أميركا النفط في تكساس، لكن سعر البرميل لا يُحدَّد داخل حدود تكساس.

وهذا هو الفارق بين امتلاك الطاقة وامتلاك السعر.

الحرب ليست مسؤولة عن كل الضغوط الاقتصادية الأميركية، لكنها أضافت صدمة جديدة إلى اقتصاد يعرف أصلًا حساسية الناخب تجاه كلفة المعيشة. وعندما يرى نحو أربعة من كل خمسة أميركيين أن الحرب رفعت أسعار الوقود والغذاء، ويعارض أكثر من نصفهم العمليات العسكرية، تكون القضية قد خرجت من لجان الأمن القومي ودخلت دفتر حسابات الأسرة.

وهنا تصبح إيران قضية انتخابية حتى بالنسبة إلى أميركي لا يعرف تفاصيل الملف النووي.

فالناخب لا يحتاج إلى فهم نسب تخصيب اليورانيوم كي يفهم فاتورة الوقود.

وبذلك تتشكل السلسلة الأخطر على الجمهوريين:

هرمز يصيب النفط، والنفط يصيب الأسعار، والأسعار تصيب القدرة الشرائية، والقدرة الشرائية تصيب صندوق الاقتراع.

القوة العسكرية تستطيع تدمير منشأة خلال ساعات، لكنها لا تستطيع بالسهولة نفسها اعتراض التضخم بصاروخ.

قد تربح الدولة معركة في السماء، ثم تكتشف أن الحرب بدأت تُهزم سياسيًا عند مضخة البنزين.

حين يصبح الوقت سلاحًا

لكن هذا نصف القصة فقط.

النصف الآخر يبدأ عندما تنتقل الضغوط في الاتجاه المعاكس: من الناخب إلى الحرب.

إذا كان البيت الأبيض يعرف أن استمرار ارتفاع الطاقة قد يكلّف الجمهوريين مقاعد في نوفمبر، فإن الزمن لم يعد عنصرًا محايدًا. كل أسبوع إضافي من دون حسم يصبح له سعر عسكري، وسعر اقتصادي، وسعر انتخابي.

وهنا تتحول الساعة نفسها إلى جزء من ميزان القوة.

واشنطن تتفوق عسكريًا على إيران بفارق هائل. لكن القوة العسكرية وحدها لا تجيب عن السؤال الأهم في الحروب السياسية: من يستطيع أن ينتظر أكثر؟

طهران لا تحتاج إلى مضاهاة القوة الأميركية كي تخلق مشكلة لواشنطن؛ يكفيها، إذا استطاعت تحمل الثمن، أن تجعل استمرار الحرب أكثر كلفة. هرمز مضطرب، النفط مرتفع، صورة النصر غير مكتملة، والانتخابات تقترب.

من هنا يصبح التفاوض سباقًا بين ساعتين: ساعة عسكرية أميركية تريد تحويل التفوق إلى نتيجة، وساعة سياسية إيرانية تراهن على أن الوقت قد يخفض قدرة الخصم على الاستمرار بالشروط نفسها.

لكن الخطأ سيكون في الاعتقاد أن إيران تنتظر ببساطة «انتصار الديمقراطيين».

فكونغرس ديمقراطي ليس بالضرورة كونغرسًا متساهلًا مع طهران. وقد يكون أكثر تشددًا في العقوبات أو البرنامج النووي أو أمن إسرائيل. ما قد تراهن عليه إيران ليس حزبًا بعينه، بل رئيسًا تصبح حركته أصعب داخل مؤسسات أكثر انقسامًا.

وحتى هذا الرهان قد ينقلب عليها.

فإذا احتفظ الجمهوريون بالكونغرس، قد يقرأ ترامب النتيجة باعتبارها فشلًا في تحويل الحرب إلى عقوبة انتخابية، فيرفع سقف الضغط على إيران.

لكن الرئيس الأقوى لا يكون بالضرورة أكثر ميلًا للحرب.

قد يحدث العكس.

فالرئيس الذي خرج أقوى من الانتخابات يستطيع أن يقدم تسوية من دون أن تبدو هروبًا، وأن يقول إن الصفقة جاءت من موقع قوة لا من موقع خوف.

لذلك فإن فوز الجمهوريين قد يقود إلى تصعيد أقوى، أو تفاوض أقوى.

والخسارة بدورها ليست انتصارًا تلقائيًا لإيران.

إذا خسر الجمهوريون مجلس النواب، يرتفع ثمن الحرب داخل واشنطن عبر الرقابة والتمويل وصلاحيات الكونغرس. وإذا خسروا المجلسين معًا، يصبح الاحتكاك المؤسسي أشد. لكن إيران قد تجد نفسها أمام مفارقة مختلفة: رئيس أضعف في الداخل وكونغرس ليس بالضرورة ألين في الخارج.

لهذا لا تعطي صناديق نوفمبر جوابًا بسيطًا.

إنها لا تقرر مَن ينتصر في الحرب؛ بل تعيد تسعير كل خيار فيها.

إسرائيل والخليج… حسابات ما بعد نوفمبر

إسرائيل تقرأ نوفمبر أيضًا.

فإذا توقعت تضيق هامش حركة ترامب بعد الانتخابات، قد ترى قيمة في تثبيت وقائع عسكرية قبل تغير البيئة السياسية في واشنطن. لكن المزيد من التصعيد قد يرفع النفط ويزيد الضغط على الجمهوريين، أي أنه قد يضعف البيئة السياسية الأميركية التي تستند إليها إسرائيل نفسها.

لذلك فالسؤال الإسرائيلي ليس فقط: ماذا نستطيع أن نفعل الآن؟

بل: ما الذي ستستطيع واشنطن أن تمنحه لنا بعد نوفمبر؟

أما الخليج، فحسابه مختلف.

بالنسبة إلى دول الخليج، هرمز ليس ورقة تفاوضية؛ إنه شريان اقتصادي. تعطله يعني تأمينًا أغلى، وشحنًا أكثر مخاطرة، وسلاسل إمداد أقل استقرارًا، واستثمارات تعيش على علاوة خطر مرتفعة.

ومن هنا تصبح الوساطة والتهدئة جزءًا من الدفاع عن الاقتصاد الوطني، لا نشاطًا دبلوماسيًا إضافيًا.

والدرس الأبعد ربما يتجاوز هذه الحرب كلها: أمن الخليج لا يستطيع أن يبقى رهينة كل دورة انتخابية في واشنطن أو كل جولة تصعيد بين طهران وتل أبيب.

ما بعد نوفمبر… ثلاثة أقاليم محتملة

السؤال الحقيقي بعد الانتخابات لن يكون فقط: مَن ربح الكونغرس؟

بل: أي نظام إقليمي تسمح به موازين القوة الجديدة في واشنطن؟

هناك ثلاثة مسارات مختلفة بوضوح.

المسار الأول: إقليم الردع والضغط.
إذا خرج ترامب أقوى، فقد تتحول النتيجة إلى تفويض لرفع الضغط العسكري والاقتصادي على إيران، وتوسيع مساحة التنسيق مع إسرائيل، ودفع طهران إلى الاختيار بين تنازلات أكبر أو مواجهة أعلى كلفة. وفي هذا السيناريو تصبح القوة أداة لإعادة صياغة شروط التفاوض.

المسار الثاني: إقليم الصفقة المضبوطة.
إذا أصبح استمرار الحرب أكثر كلفة سياسيًا واقتصاديًا من مكاسبها، فقد تنتقل الأولوية من توسيع المواجهة إلى تثبيت هرمز، وضبط الملف النووي، وترميم الردع، وفتح تسويات متدرجة. لا سلام شامل هنا، بل إدارة ذكية للصراع تمنعه من التحول إلى حرب دائمة.

المسار الثالث: إقليم الاستنزاف المفتوح.
وهو الأخطر: إيران لا تنهار، أميركا لا تنسحب، إسرائيل تواصل تعديل ميزان القوة، والخليج يدفع كلفة عدم اليقين. عندها تصبح الطاقة والاستثمار والممرات البحرية والأسواق نفسها أجزاءً من ساحة الصراع، ويصبح الاقتصاد امتدادًا للحرب لا مجرد ضحية لها.

وهنا تكمن الرؤية الأبعد.

الانتخابات الأميركية لن ترسم حدودًا جديدة على الخرائط، لكنها قد تعيد رسم هندسة القوة: من يردع مَن؟ من يفاوض مَن؟ من يستطيع الانتظار؟ ومن يملك الموارد لتحمل صراع طويل؟

وقد تدفع هذه التجربة دول المنطقة، وخصوصًا الخليج، إلى تسريع انتقالها من الاعتماد شبه المطلق على المظلة الأميركية إلى نموذج أوسع من التحوط الاستراتيجي، وتنويع الشراكات، وتعميق الدبلوماسية الإقليمية، وحماية الطاقة والممرات والاستثمار باعتبارها عناصر سيادة.

وهنا تنقلب المعادلة التاريخية.

لعقود، اعتادت الولايات المتحدة أن تعيد تشكيل الشرق الأوسط من الخارج.

أما اليوم، فيكشف النفط والأسواق والحرب أن الشرق الأوسط نفسه أصبح قادرًا على الوصول إلى الداخل الأميركي والتأثير في قراره.

فما يبدأ في مضيق هرمز قد ينتهي في صندوق اقتراع أميركي، وما يخرج من ذلك الصندوق قد يعود ليحدد ما إذا كانت المنطقة أمام ردع أقسى، أو صفقة أكثر واقعية، أو استنزاف يعيد تعريف القوة والثروة والتحالفات لسنوات مقبلة.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لقاء في المجلس الاقتصادي مع رئيس وأعضاء مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الجديد

عُقد في المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بدعوة من رئيسه شارل عربيد لقاء مع رئيس وأعضاء ...

مجلس رجال الأعمال اللبناني – اليوناني يبحث سبل تعزيز التعاون الإقتصادي والاستثماري الثنائي

عقد مجلس رجال الأعمال اللبناني – اليوناني اجتماعاً برئاسة رئيسه غابي تامر، اليوم، في مقر ...

أسواق الأسهم الخليجية تحت الضغط وسط تجدد التصعيد الجيوسياسي

تحليل السوق التالي عن أندري كونستانتين، المدير التجاري ومستشار التداول في TFP Software FZCO تعرضت ...